هل تشققت الدولة العميقة في أمريكا ؟ “زمن ترامب وقراءة في العاصفة القادمة”.

تحرير ” د. خالد المطرود “.

إحدى الحماقات التي اقترفها الهدوء هو أنه رضي أن ينسب إليه دور الخادم الذي يمهّد لوصول العاصفة ويهمس في آذان الناس أن العاصفة قادمة .. رغم أن من الممكن أن تكون العاصفة هي التي تسبق الهدوء وليس الهدوء هو الذي يسبق العاصفة وتصبح العاصفة هي التي توطئ للهدوء وتعلن عن وصوله بشكل صاخب متوتر؟؟ .. إن التفكير السليم يقتضي أن نعيد النظر في كل القوالب القديمة للمسلّمات والبديهيات والمقولات المسبوكة والجاهزة . وقلبها رأساً على عقب لنعرف أن ما رددناه على مدى قرون كان خطأً .. وأن العبارات الموروثة ليست مقدسة إذا ما طبقنا هذه العبارة المقلوبة عن الهدوء والعاصفة على السياسة الأمريكية فقد نصل إلى توقعات واقعية .. فهل يكون ترامب هو العاصفة الحقيقية ويكون أوباما هو الهدوء الذي سبق العاصفة؟؟ أم أن ترامب في الحقيقة هو الهدوء الذي يتلو العاصفة بعد تلك العاصفة السوداء التي أطلقها عهد أوباما وكلينتون على الشرق الأوسط وسمّيت الربيع العربي حين اعتقدنا أن بوش هو العاصفة وأن أوباما هو الهدوء الذي يتلوها .. ؟؟

قد يكون من المبكر جداً وضع أي نبوءة عن عهد ترامب وكيف سيكون طقسه عاصفاً أو ماطراً أم حاراً .. لكن علينا أيضاً ألا نجلس تحت المظلات أو على طاولات المقاهي وننظر عبر النوافذ إلى تغيرات الطقس وحركة العابرين والقادمين إلينا .. بل علينا أن نخرج من مخابئنا ونسير تحت السماء لا تحت الأسقف مهما كان الطقس .. وعلينا أن نبدأ بوضع خارطة السنوات الأربع القادمة كي نعلم كيف نتحرك ..

علينا أن نتابع ما يحصل من جدل في أمريكا بشأن عهد ترامب .. فهذا الرجل هو نتاج صراعات الدولة العميقة الأمريكية حيث المجمع الصناعي العسكري وعتاولة المال والبنوك والكارتيلات والاحتكارات العملاقة وغير ذلك وهذه الكتل الرأسمالية الجبارة هي التي تقرر شكل الرئيس ولونه ومذاقه وطوله بل وتملي عليه خطاباته ولا يجرؤ على أن يشذ عنها .. وإذا ما تمرّد أرسلت عليه “ووتر غيت” أو .. “مونيكا لوينسكي” .

ولكن إلى جانب هذه الدولة العميقة التقليدية أو الكلاسيكية التي تولت إدارة البلاد لعقود كان هناك ما يسمّى حكومة الظل في تلك الأعماق .. وهي بقية الأثرياء والقطاعات الصناعية والرأسمالية التي أوجدت تفاهماً بينها وبين القوى العميقة الكلاسيكية التي تولت إدارة البلاد .. وكانت قوى الظل منكفئة طالما أن مصالحها لا تتأثر ولا يتم الاعتداء عليها من قبل مؤسسات الدولة العميقة المنشغلة بمكاسبها ..

ترامب ليس من مرشحي المؤسسة التقليدية العميقة بل هو مؤشر على تحرك حكومة الظل الموازية وربما نهوض دولة عميقة أخرى لم تعد لامبالية بما تفعله الدولة العميقة التقليدية بل صارت ترى أن من حقها أن تقرر أيضاً شكل الرئيس ولونه ورائحته ولسانه وتكتب له خطاباته وشعاراته .. وعلى هذا الأساس فإن ترامب إما أن يكون نتيجة انشقاق ضمن الدولة العميقة التقليدية أو أن هناك نهاية لدولة عميقة كلاسيكية حكمت عقوداً طويلة ولكنها تتعرض الآن للتحدي من دولة عميقة تشكلت بهدوء في الظل في العقود الأخيرة ووجدت أنها كبرت بما فيه الكفاية لتكون لها حصة في القرار السياسي بعد أن كانت مكتفية بأن تراعي القوة القديمة مصالحها المالية .. إلى أن حدث الانهيار الاقتصادي الذي هدد مصالحها ووجدت أنه آن الأوان للحلول محل القوة القديمة أو مقاسمتها السلطة للحفاظ على مصالحها لأن مغامرات القوة العميقة العسكرية من أجل مكاسبها الخاصة أدت إلى نمو غير متكافئ في الاقتصاد الأمريكي حيث انتعش اقتصاد السلاح والنفط وتآكل الاقتصاد الباقي الذي لا يبيع السلاح والنفط .. وهذا ما تسبّب في أن ينمو اقتصاد العالم وخاصة في الصين على حساب الاقتصاد الأمريكي الذي لا ينتمي إلى صناعة السلاح وتجارة النفط والمال .. وهنا بدأت طبقة من الأثرياء الجدد الذين نأوا بأنفسهم عن السياسة وقبلوا بحكومة الظل وصارت ترى أنها الأحق بقيادة الدولة والسيطرة على القوة العميقة التقليدية .. وهذه الطبقة التي تقود الاقتصاد الأمريكي المتضرر من سياسات صناعة الحروب تجد أن الحروب تفيد جزءاً من النخب الرأسمالية الأمريكية وخاصة في المجمّع العسكري الصناعي وشركات الطاقة والنفط العابرة للقارات .. وهي حروب لا تعود كثيراً بالنفع على أثرياء حكومة الظل ..
وهذا ما يمكن أن يفسّر الضجيج والتحريض في أمريكا الذي يرافق ترامب منذ أول يوم لترشيحه وكانت الدولة العميقة الكلاسيكية تفضل كلينتون لأنها استمرار لها في نفس النهج من الحروب وخدمة تجار السلاح والنفط دون الاكتراث لخطر النمو الصيني وتآكل الصناعة الأمريكية التي أقفلت فيها عشرات آلاف المصانع .. لكن دولة الظل العميقة تصدت لها وانتزعت السلطة منها لأنها صارت تحس بقلق بالغ وهي ترى أن الاقتصاد الصيني يأكل الاقتصاد الأمريكي الذي لم يبق فيه إلا صناع السلاح وتجار النفط كقوة ضاربة كبرى ومنافسة .. وما يحاول الأثرياء الجدد فعله هو إعادة الحياة إلى الصناعات والاقتصادات الأمريكية التي تآكلت عندما أهملتها الطبقة الثرية المتنفذة التي ركزت على تجارة السلاح والنفط والحروب فترامب هو تاجر عقارات ورجل أعمال يمثل تياراً عميقاً خلفه صار يجد انه الأجدر بالدولة العميقة .. وما حدث في أمريكا هو انتقال السلطة في الدولة العميقة من أثرياء إلى أثرياء آخرين .. أو من أثرياء قدماء إلى أثرياء جدد .. وبمعنى أدق انقلاب أبيض داخل الدولة العميقة أخذها على حين غرّة …

أمريكا لم تتغير .. بل ما تغير فيها هو أن الدولة العميقة خاضت صراعاً داخلياً كبيراً وضارياً بين الأثرياء .. لأن الشرق الأوسط الذي ركزت عليه القوة القديمة العميقة تسبّب في نهوض الصين التي سها عنها الساهون .. ويذهب البعض إلى حد القول بأن مشروع الحروب فشل في سورية وأنه لا أمل في كسب الصراع الدولي على هذا البلد بل يبدو للكثيرين أن الروس والصينيين حولوا الكمين الأمريكي في سورية إلى كمين علق فيه الأمريكيون الذين تم استدراجهم لخوض معركة استنزاف لما بقي لهم من قدرات وجهد لإبقاء الاقتصاد الأمريكي يتورّم بتجارة السلاح والنفط ولكنه يذوب في كل الزوايا .. وخلصت حكومة الظل إلى نتيجة مفادها أن معركة سورية لا طائل منها .. وأنها قد تتحول مع كلينتون إلى حرب استنزاف لأمريكا بعد أن فشلت إدارة أوباما في إحداث خرق فيها طوال ست سنوات ولابدّ من الانتقال إلى مرحلة صراع ما بعد سورية .. أي تحصين الاقتصاد الأمريكي الذي يلتصق به الاقتصاد الصيني كالعلقة ويتغذى عليه لأنه صار معتمداً على ما تقدمه الصناعات الصينية له وللسوق الغربية عموماً ..

وقد التقطت أولى تصريحات ترامب التي يقول فيها انه سيستأصل التطرف الإسلامي من العالم كله .. وأنه سيفكر في إقامة مناطق عازلة في سورية تنفق عليها دول الخليج .. وبالرغم من أن هناك بيانات من البيت الأبيض استدركت التصريحات إلى حد نفي بعضها تماماً فإن البعض يردد دون تفكير أن ترامب سيجرف في طريقه داعش وإيران وحزب الله وسيملي وجهة نظره على بوتين الذي قد يقبل ببعض الخسائر مقابل تهدئة الحرب التي تستنزف موسكو ..
ولكن هذا التصور لا يتماشى إطلاقاً مع الهدف الرئيسي من الإطاحة بالقوة العميقة التقليدية .. فالانقلابيون الذين استولوا على قرار الدولة العميقة يريدون مكاسب سريعة ولن يغامروا في شن حروب غير محسوبة .. ولذلك فمن المرجح أن يسارع ترامب إلى شن حملة تدمير لداعش والنصرة لسهولة انجاز نصر عسكري مؤكد بوجود قوات عسكرية على الأرض مثل الجيشين السوري والعراقي .. وربما كان ما يحدث من تبرؤ في الشمال السوري من النصرة وتكفير لها وتحريض مفاجئ عليها من حلفاء الأمس مؤشر على بداية هذه الحملة .. وهذه الحملة على النصرة وداعش لها جاذبية خاصة لأن عملية تدميرهما سهلة جداً بوجود العامل الروسي والقوى الشعبية التي سترحب بذلك وتكسب ترامب نصراً معنوياً كبيراً .. وهو نصر سهل سيسوّق في الغرب على أنه إنجاز عسكري .. وفي نفس الوقت فإن الحصافة السياسية من الانقلابيين الترامبيين تقتضي تجنب المواجهة مع إيران وحزب الله .. ليس حباً بهما بل لأنها معركة صعبة جداً وهي أكثر حماقة من معركة أوباما وكلينتون في سورية .. بل إنها خدمة مباشرة للقوة العميقة المهزومة التي لم تكن تريد أكثر من هذا لإنعاش المجمّع الصناعي العسكري على حساب بقية الصناعات ولإظهار أن الأثرياء الجدد أكثر مغامرة ممن سبقوهم … ولذلك يلتقط الدبلوماسيون إشارات صامتة ورسائل محمولة بشكل غير مباشر من قبل أصدقاء ترامب تطلب فيها أن يهدأ حزب الله على حدود شمال فلسطين المحتلة في الوقت الذي يتم فيه استئصال الإرهاب الإسلامي الداعشي وإرهاب النصرة كيلا يتسبب نشاط حزب الله ضد إسرائيل في إحراج الحكام الجدد لأمريكا وإيقاف مشروع استئصال حلفاء إسرائيل من الإسلاميين الجدد .. وسبب هذه الرغبة هي إدراك القوى الجديدة الأمريكية أن كل المؤشرات تقول بأن إسرائيل بتحريض من القوة العميقة القديمة في الاستخبارات والمجمّع الصناعي العسكري ستحاول بشدة استفزاز حزب الله لإرغامه على الانخراط في مواجهة ضخمة تحرج ترامب وترغمه على العودة إلى خط الصراع الشرق أوسطي بعيداً عن أجندته التي تريد تجميد أو تهدئة الانخراط في معادلات الشرق الأوسط على قاعدة تثبيت خطوط هدنة وتفاهمات طويلة الأمد طوال فترة ترامب الأولى على الأقل ..

ويتمنى هؤلاء أن يتمتع حزب الله بأقصى درجات ضبط النفس ” الضرورية” عندما تتحرش به إسرائيل التي مهّدت لهذا التحرش باستخدام طائرات (F-35 ) لأول مرة منذرة بعودة استخدامها ضد شخصيات وقيادات حزب الله في الجنوب ..الطقس الذي وصل سيكون مزيجاً من هدوء عاصف .. فالعاصفة مقبلة على داعش والنصرة والمشروع الاخواني كجزء حتمي من تخلي ترامب عن إطلاق المشروع الإسلامي كرأس حربة في مشروع الحروب القادمة لأوباما وهيلاري كلينتون .. ولكن ثمن الهدوء في محور المقاومة قد تقرره طبيعة الصراع بين القوتين العميقتين اللتين تتصارعان تحت الأرض في أعماق الحكم وتقرره طبيعة التفاهمات بينهما وقدرة كل منهما على أن تستدرج الأخرى إلى أرضها وأولوياتها .. و الأحداث تشير إلى أن القوة التقليدية لم تستسلم وهي تحرك كل العواصف ضد ترامب وتريد جره إلى إيديولوجيتها بالقوة .. وهو في مقابل ذلك أضعف من أن يغامر بمناطق عازلة في سورية فيما هو يتجه نحو أقاصي الشرق لاستعادة ما أخذته الصين من أمريكا التي كانت مشغولة بالحروب .. وحتى زوال الغبار عن الصراع فإن الزمن القادم إلينا سيكون زمن إعادة بناء محور المقاومة وإعادة هيكلته واستراتيجياته وعقيدته العسكرية والإيديولوجية بناءً على انتصارات مرتقبة قريباً في سورية .. واستثمار النصر في ظلّ غياب قوى إقليمية أو تقهقرها وصعود أخرى لإعادة ترميم نظرية الصراع العربي الصهيوني التي تآكلت في زمن الربيع العربي الإسلامي .. وهذا الإحياء للصراع العربي الصهيوني سيكون كفيلاً بإسقاط النظريات البديلة عن صراع الهويات والطوائف .. وهو بدوره مرتبط بنهاية مشروعين كبيرين في زمن ترامب هما المشروعان الإسلاميان المتحالفان الاخواني العثماني والوهابي .. ومن هذه المنصة سنحقق وثبتنا القادمة ..

علينا أن نتذكر أننا لا ننتظر خيراً من ترامب ولا نراهن عليه بل على ما أنجزناه حتى الآن ودخل في حسابات القوة العميقة الجديدة .. وإذا كان من شيء يجب أن نقر به جميعاً فهو أن الهزة العميقة التي منيت بها القوة العميقة الأمريكية التقليدية ليست سهله عليها وكانت فوق تصوراتها .. وفاجأها الانقلاب القادم من قوى الظل .. إلا أن هذا الزلزال الذي ضرب أعصاب القوة الأمريكية العتيقة التقليدية بدأ من سورية وليس من واشنطن أو وول ستريت .. لأن السكون كان في الأعماق الأمريكية غير قادر على التحرك إلا عندما تبيّن أن العقبة الكأداء في الشرق – أي سورية – كشفت بشكل واضح أن الاقتصاد الأمريكي منهمك بالحروب والمواجهات الطويلة الخاسرة واقتصاد الحروب من أجل مكاسب البعض فيما هو يموت ببطء في بقية أمريكا ويتراجع في العالم .. وهذه المواجهة مع الحقيقة بدأت مع تحدي سورية وحلفائها لجورج بوش في العراق وتحدي سورية لأوباما في سورية نفسها .. وهذا ما جعل القوى الأمريكية الأخرى تميل لأن توقف هذا النزيف في القوة الاقتصادية الأمريكية المسخّرة من أجل خدمة صناعة النفط والسلاح فقط عبر الحروب والتي استحالت إلى حرب استنزاف على حساب كل اقتصادات أمريكا ..

من كان يصدق أن بلداً بعيداً جداً عن أمريكا مثل سورية يهز العقل الأمريكي التقليدي بعمق ويسقط حكومته العميقة ويهز عصره ؟؟ .. هل بعد هذا يمكن أن نستغرب سر هذا الحقد والكراهية والعداء لشخص الرئيس الأسد والسيد حسن نصر الله اللذين قادا هذا الجهد الخطير في تحطيم عصر هيمنة اقتصاد الحروب؟؟ .. بل من كان يصدق أن هؤلاء الشباب الأبطال في الجيش السوري وحلفائه الذين انحدروا من القرى والأرياف الفقيرة والبيوت البسيطة في كل أنحاء سورية واستبسلوا في سبيل بلدهم هم الذين قرروا في النهاية نتيجة الانتخابات الأمريكية ووضعوا حداً لعصر حكومات صناع السلاح والحروب؟؟ .. وهم الذين أيقظوا النائمين في ما وراء الأطلسي .. وأخرجوا أولئك الطغاة من عصر إلى عصر .. وأدخلوا العالم ربما في عصر جديد ..، ليس غروراً ولا توهماً .. لكنه قدر دمشق أن تكون فيها محطات العصور .. ومراسي الزمن .. وأن تبدأ منها المراحل ..

  • إعداد”عمر معروبوني “.                                               

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz