” قراءة في استراتيجية التحولات الميدانية والسياسية في سورية “

نقدّم لكم قراءة في المستجدات السياسية والميدانية في ظلّ الحديث عن عملية تركية أمريكية في الشمال السوري نحو مدينة الرقة، في الوقت الذي تهرب فيه قيادات “داعش” إلى مدينة دير الزور المجاورة. وبالمقابل المستجدات السياسية بعد أن فشل لقاء أستانة في إصدار بيان ختامي، وتأجيل متابعة عمله الى شهر آذار المقبل، بالرغم من التصريحات الروسيّة وتصريحات الدول الضامنة بأن اللقاء كان ناجحاً، لكنه في الواقع لم يسفر سوى عن التشديد على تثبيت وقف إطلاق النار، وكانت تصريحات الوفد الحكومي السوري في قمة الدبلوماسية إنطلاقاً من موقفها القوي ميدانياً وسياسياً أمام تقهقر الطرف الآخر الذي فقد حيلته في المواجهة فصار يفتعل المشاكل ويوجّه الإتهامات والتحذيرات.

 فهل ستلتزم فعلاً الأطراف المعنية بهذه الإتفاقات في ظلّ الظروف الدولية والإقليمية الراهنة، والتي لم تجد صيغة موحدة حتى اللحظة كي تحقق الخطوات الأولى للحل السياسي في سورية، بدءاً من تشكيل وفد واحد وصولاً الى التخبّط الإقليمي والدولي السياسي، ومحاولات تحقيق أي إنجاز على الأرض قبل الوصول الى أبواب جنيف.

يقول الخبير العسكري الاستراتيجي العميد “هيثم حسون” :

ما يجري في الشمال هو على محورين، المحور الأول هو الذي يجري حالياً في مدينة الباب ، حيث أن القوات التركية المحتلة لجزء من الأراضي السورية والعصابات المدعومة من قبل الجيش التركي، والمسمّاة “درع الفرات” ماتزال على الأطراف الشمالية من مدينة الباب ، بذات الوقت تتحدث تركيا أن هذه المعركة على مشارف النهاية وكان رئيس الأركان التركي منذ يومين تحدث عن إنتهاء هذه العملية بشكل كامل.

الموضوع متعلق بتحقيق مكاسب سياسية أرادت من خلالها تركيا الضغط على الحكومة السورية قبل بدء إجتماعات أستانة ، أما الحديث عن الرقة والتقدم الذي تدّعيه الإدارة الأمريكية من خلال إستخدامها لمجموعات كردية في الشمال ، إن كانت قوات سورية الديمقراطية،أو قوات مدعومة ببعض العشائر العربية ، ايضاً  تريد منه تحقيق مكاسب سياسية، أما بخصوص الرقة والعملية العسكرية التي يتحدثون عنها منذ ستة أشهر والتي أرسلوا من أجلها كلّ هذه القوات ، ولم تحقق أي شيء ولم نرَ على الأرض أي إنجاز ، نقول أن هناك أمراً هاماً يتعلق بتنسيق العمل بين الوحدات الكردية التي تعمل على شمال الرقة ، والقوات التركية التي تعمل على شمال حلب ، وأتى رئيس الإستخبارات ليحلّ هذه المعضلة المتمثلة بإمكانية الإصطدام بين المجموعات الكردية والتركية ،وكان أحد أسباب هذه الزيارة هو الوصول الى هذه النتيجة.

كذلك أرادت الولايات المتحدة إبعاد القوات الكردية عن طريق القوات التركية التي حددها الرئيس التركي في منبج والرقة ، وبنفس الوقت الجيش السوري من جهة أخرى يتقدم على ذات المحور وفي هذا الإتجاه من دير حافر بإتجاه الرقة ، إذاً هناك عملية أمريكية مخفية يتمّ التحضير لها من خلال إمكانية إصطدام القوات التركية مع الجيش السوري المتجه شرقاً، موضوع التصادم بين الجيشين التركي والسوري قبل إجتماع أستانة كان بعيداً ، ولكن عندما بدأت القوات التركية من خلال مجموعاتها الإرهابية المسمّاة بدرع الفرات بالتوجه  نحو الباب ، وتأخر الوفد التركي عن إجتماع أستانة  دلّ على أن هناك محاولة إلتفاف على عملية التنسيق التي كانت تقوم بها روسيا بين الطرفين السوري والتركي ، رغم أن رئيس الوفد الروسي قال أن مدينة الباب ستسلّم الى الدولة السوريّة بعد تحريرها من “داعش” كما وصف الأمر ، إذاً إمكانية الإصطدام أصبحت أكبر حالياً بعد كل التلاعب والإحتيال التركي على عملية التنسيق الجارية.

أما بخصوص الجبهة الجنوبية أعتقد أن الأردن له دور كبير من خلال إشعال هذه الجبهة وتوتيرها ، من خلال محاولة فرض شروط أراد أن يحصل عليها ، أو إنجاز يمكن أن تحققه المجموعات الإرهابية المرتبطة بغرفة الـ “موك “. وإطلاق عملية الموت ولا المذلة قبل أجتماع أستانة ، وذلك للحصول على ورقة سياسية يفاوض عليها الأردن ولكن الفشل في هذه العملية منع الأردن من الحصول على أي مكسب سياسي أو إقتصادي في لقاء أستانة وبالتالي كلّ هذه الأمور أدّت الى فشل أستانة  في تحقيق أي إنجاز كان سياسياً ، أو على الصعيد العسكري ، أي وقف أطلاق النار وتثبيته.

وفي الجانب السياسي يرى الباحث والمحلل السياسي ” صلاح النشواتي” مايلي:

لم تكن الوعود الإنتخابية التي قدّمها “ترامب” ، ولا حتى القرارات الأولى لدى وصوله إلى البيت الأبيض ، إلا ومضة خدعت المراقبين ،  بينما اصطدم ترامب بعملية صناعة القرار، التي تساهم بها عدّة مؤسسات وليس فقط الرئيس ومستشاريه ، ومن  الرؤى الترامبية التي تأثرت في الواقعية الأمريكية هي فكرة التقارب مع روسيا، والتي نَعَتها المطالبة الأمريكية بإعادة القرم، بعد الاستفتاء الشعبي المؤيد للعودة للوطن الأم روسيا  وأيضاً إستبعاد أي تعاون مع موسكو فيما يخصّ الأزمة السوريّة، وإيجاد آلية فعّالة مشتركة مع روسيا لمكافحة الإرهاب، وبالتالي عادت الإدارة الأمريكية لرفع سقف مطالبها لتأمين دور أساسي لها تحت هذا السقف في أزمات المنطقة، وكانت الأداة الأساسية تتمثل في دمج الملفات الملتهبة بين واشنطن وروسيا ، والتحذيرات من إنهيار النظام الدولي في حال الغياب الأمريكي، والفراغ الناتج عنه، ولاتزال إلى اليوم البوصلة الأمريكية في الشرق الأوسط ثابتة وهي الأمن القومي الإسرائيلي واستمرار الوجود الآمن والدائم في المنطقة ومن هنا تنطلق واشنطن نحو إعتبار إيران مصدر الإرهاب الأول ، ممّا يسمح لها تحت مفهوم مكافحة الإرهاب إدخال قوات برية إلى سورية ،وخصوصاً في المنطقة الشرقية، بذريعة محاربة “داعش” ، بينما يشكل التواجد الأمريكي قطع للتواصل البري بين إيران وسورية وبالتالي الاعتماد على وجود نهر الفرات كحاجز جغرافي طبيعي يمهّد لنشوء مناطق النفوذ والأمريكية منها على وجه التحديد.

في الختام السؤال الذي يبحث لنفسه عن جواب صعب تخمينه في ظلّ الظروف الحالية هو : مالذي ينتظر الملف السوري والمنطقة في الأيام القادمة ؟.

(( د. ن إبراهيم ))

  • المصدر ” SPUTNIK

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz