تسليم بالأمر الواقع .. أو استسلام له ؟!

هو فارقٌ كبير ومُهمٌّ في الحياة الخاصّة للناس، وفي قضاياهم العامّة، بين تسليمهم بالأمر الواقع وبين الاستسلام له. فكثيرٌ من الناس يعيشون “أحلام اليقظة” أو يراهنون على تغيير يحصل من تلقاء نفسه، فلا ينطلقون من “الواقع” وهم يأملون بالتغيير نحو الأفضل، فهناك الآن حالة “قبول” لواقع حال عربي يقوم على ظواهر انقسامية خطيرة تنخر الجسم العربي وتمزّق بعض أعضائه، كما هو الحال أيضاً مع واقع التدخّل الأجنبي، ومع أوضاع الفساد السياسي والاقتصادي التي وصلت في بعض البلدان إلى حدّ العفن. يحكى عن الضفادع أنّها إذا وُضعت في مياه ساخنة لدرجة الغليان، فإنّها تقفز منها فوراً وتنقذ حياتها. أمّا إذا وُضعت الضفادع في مياه عادية ثمّ جرى غلي المياه على مراحل، فإنّ الضفادع تبقى ساكنة في المياه حتّى الموت، هكذا هي أحياناً بعض الشعوب والمجتمعات، حيث الأزمات الكبيرة المفاجئة تحرّك مكامنها وتدفعها إلى الحركة والتغيير واستحضار مقوّمات القوّة والدفاع عن النفس، بينما تتكيّف هذه الشعوب مع الأزمات المتراكمة زمنياً والتي تنمو فيها السلبيات على مراحل فتصبح الأزمات بمرور الزمن مقبولة ويسهل التعايش معها  ولعلّ خير دلالة على اقتراب “المياه العربية” من درجة الغليان الحاصل على مراحل، والمسبّب للموت البطيء هو تدنّي مستوى الشعارات المطروحة على المستويين الوطني والقومي. فبعدما كانت أهداف العرب هي التوحّد بين الأوطان أصبح الهمّ الأساس الآن هو الحفاظ على وحدة كل وطن من خطر التشرذم والتقسيم. وبعدما كانت الحرّية تعني تحرّراً من الاحتلال والتسلّط الأجنبي أصبحت معايير الحرّية تقاس الآن بمعايير سطحية داخلية فقط وتغضّ النّظر عن التدخّل الأجنبي!. وكيف أنَّها ركدت وخبت فيما بعد بسبب تحوّل القضايا العربية المشتركة إلى “قضايا عربية متصارعة”، وبعد أن اشتعلت أكثر من حربٍ أهلية عربية في أكثر من مكان. لقد تحوّل العنف الداخلي، الجاري الآن في بعض البلدان العربية، إلى حروب أهلية عربية، والتي سيكون ختامها لصالح نجاح المشروع الإسرائيلي فقط، حتّى على حساب المشاريع الدولية والإقليمية الأخرى الراهنة للمنطقة. صحيحٌ أنّ للأطراف الخارجية، الدولية والإقليمية، أدواراً مؤثّرة في تأجيج الانقسامات، لكن ماذا عن مسؤولية الذات العربية نفسها عمَّا حدث ويحدث من شرخٍ كبير داخل المجتمعات العربية؟. ماذا عن مسؤولية المواطن نفسه في أيّ بلد عربي، وعن تلك القوى التي تتحدّث باسم “الجماهير العربية” وعن المفكّرين والعلماء والإعلاميين الذين يُوجّهون عقول “الشارع العربي”؟!….

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz