كيـف نجحـت القيـادة السوريـّة فـي إدارة الأزمـة ؟

من يراقب مجريات وتطورات الأزمة السورية خلال السنين الست الفائتة من عمرها، يدرك حجم المؤامرة والتخطيط والتحضير الهائل بخلاف ما تمّ فعله لثورات الربيع العربي المزعوم في دول عربية أخرى، بدءاً من الشعارات الرنانة التي أطلقت خلالها والمظاهرات تحت عناوين العدالة والحرية وتغيير القوانين والدساتير وصولاً إلى المطالبة بإسقاط النظام وما رافقه من دعم إعلامي متقطع النظير ومروراً باستغلال النعرات الطائفية والمذهبية لبث الفرقة والفتنة وتفتيت الشعب السوري وانتهاءً بتشكيل وإنشاء جماعات مسلحة تحت مسمّيات مختلفة مبطّنة تحت فكر القاعدة والإخوان المسلمين ومدعومة من دول أجنبية وعربية، ومحاولة تغطيتها تحت هياكل وكيانات سياسية وهمية تخضع لأجندات وأوامر تلك الدول، وفي ظلّ النظام العالمي أحادي القطبية ومحاولة بعض الدول إعادة ضبط وإنتاج موازين القوى عبر ما يسمّى بالفوضى الخلاقة فكانت بوصلتهم سورية  قلب الشرق الأوسط كحلبة للصراع العالمي، وأريد لها أن ترسم طريقاً لنظام دولي جديد يكون لكل دولة فيها موطئ قدم لتحقيق أهدافها.

واشتغلت الماكينات الإعلامية ورسمت المخططات الإستراتيجية لاستهداف الدولة السوريّة وتحديداً رأس الدولة وفي الطرف المقابل برزت قوى أخرى، ووجدت في دمشق حليفاً  لها وراهنت عليها وعلى رأسها روسيا وإيران لتحقيق استراتيجياتها وخياراتها في مواجهة الدول الغربية ومخططها الاستعماري ومنع إسقاط الدولة السوريّـة. وفي هذا الفضاء وصراع المصالح واختلاف الرؤى وُضعت القيادة السوريّـة أمام عدّة خيارات معقدة، فإما أن تنصاع للقوى الغربية الاستعمارية وتسقط الدولة السوريّـة كما حدث في الدول العربية التي عصف بها الربيع العربي المزعوم مثل مصر وليبيا وتونس، وإما أن تحافظ على سيادتها ودورها التاريخي وتبقى قلب الشرق الأوسط وبوصلته، ولكلّ من هذين الخيارين تبعاته وتداعياته وأثمانه ، فكان الخيار الثاني الذي ارتضته القيادة السوريّـة رغم الانعكاسات والتداعيات الكبيرة التي نتجت عنه على كافة الصعد، ولكن مع الحفاظ على هيبة الدولة السوريّـة وسيادتها، بالاعتماد على سياسة وإستراتيجية حكيمة للقيادة السوريّـة لإدارة الأزمة، ركزت فيها على تمتين وتقوية أواصر العلاقات مع الدول الصديقة مثل روسيا وإيران والتي كان الرئيس الراحل المؤسس قد وطدها على مـرّ السنين الفائتة، وكذلك مع حركات المقاومة وبعض الدول الصديقة الممانعة، ولم يكن الخيار ممكناً لولا الجهود الاستثنائية وتدعيم البناء واللحمة في الداخل والدعم اللوجستي في الخارج، وهذا ما حدث بالفعل بعدما قامت روسيا والصين برفع الفيتو عدّة مرات في مجلس الأمن لحماية القطر من الخيارات الطائشة  بالإضافة إلى الدعم المادي والعسكري المستمر ، وتكفّلت القيادة السوريـّة والجيش العربي السوري وأبناء الوطن الشرفاء وبإسناد من الأصدقاء بمواجهة الإرهاب على كامل القطر وحققت انتصارات باهرة.

لقد استطاعت القيادة السوريّـة استيعاب الصدمات المتلاحقة خلال مراحل الأزمة من الناحية العسكرية والإعلامية والاقتصادية والسياسية من خلال تغبير  تكتيكاتها في المواجهة العسكرية والعمل بأسلوب حرب العصابات وحرب المدن والاعتماد على قوات دعم وطنية، وعلى الصعيد الاقتصادي أظهر الشعب السوري قدرة هائلة وصبراً في تحمّل مفرزات الأزمة، كما أن الجسم الدبلوماسي كان متماسكاً بصورة مبهرة وعلى التوازي أطلقت القيادة السوريّـة مبادرات الإصلاح والمصالحة وأصدرت قوانين العفو في فترات مختلفة، وعلى صعيد المجتمع السوري استطاعت القيادة السوريّـة فضح خيوط المؤامرة وتورّط بعض الدول العربية والدول الغربية ودور الكيان الصهيوني في تأجيج الأزمة أمام الرأي العام السوري , بحيث تـمّ إزالة اللبس والتضليل , الذي تـّم زرعه في نفوس بعض أبناء الوطن من خلال الإعلام المغرض, فتحوّل المجتمع السوري ليقف يداً بيد مع قيادته وجيشه الباسل في مكافحة الإرهاب, ويساهم بشكل فعّال في الحفاظ على الدولة ومقدّراتها , ويشكّل بطانة وحماية للقيادة السوريّـة , والأهم من كلّ ذلك صمود وثبات القيادة السوريـّة في وجه الضغوط, واستمرار العمل البرلماني والحزبي ومتابعة سير الانتخابات بكافة أشكالها, واضطلاع الحكومة السورية ووزاراتها ومؤسساتها بمهامها  وابتداع وخلق طرق وأساليب جديدة لمواجهة تداعيات الأزمة, وخاصة على الصعيد الاقتصادي والخدمي .

ومن أبرز مهارات القيادة السوريـّة في إدارة الأزمة , إقناع العالم مع مرور الوقت بأن خطر الإرهاب سيرتد على داعميه, وجاء ذلك على لسان الرئيس الأسد في مناسبات مختلفة, وثبت صحة ذلك لاحقاً بعد أن ضرب الإرهاب بعض الدول الأوربية, فتم إعادة الحسابات في تلك الدول, وأصبحت تبحث عن سبيل للعودة عن سياساتها الخاطئة أو تغييرها جزئياً , وأصبح طرح الحل السياسي هو الأساس, وأن بقاء الرئيس هو الضامن الوحيد وبقيت الدول الخليجية تغرّد لوحدها وتتلقى الفشل تلو الآخر, وما الانتصارات التي تحققت في تدمر وحلب ودرعا وريف حمص وغيرها , إلا دليل على نجاح إدارة الأزمة السوريّـة وما تبعها من مصالحات وتسويات في مختلف مناطق القطر وكان آخرها منطقة وادي بردى وداريا والمعضمية وقدسيا والتل وغيرها , وهكذا يمكن القول وبشفافية مطلقة مع مرور ست سنوات من عمر الأزمة , أن القيادة السوريّـة كانت بارعة في خياراتها واستغلال التناقضات الدولية والإقليمية وتناقضات الجماعات المسلحة, واللعب على حافة الهاوية في الكثير من الحالات والظروف, وأخيراً فرض شروطها خلال المفاوضات بالاعتماد على انتصارات الميدان والتنسيق الجيد والفعّال مع الأطراف الداعمة مع المحافظة على سيادة القطر وضمان أمنه ومنعته .

” مواطن شريف  “

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz