” هزيمــة مشـــروع “

إنّ التفسير الأكثر جلاءً للتواجد الأمريكي في الشمال السوري، هو الموت الأخير للمشروع الأمريكي بالسيطرة على المنطقة العربية عبر الحركات الإسلامية، وبالأخصّ الإخوان المسلمين، هذا المشروع الذي كان أردوغان عرّابه الأول وقد تصلح طبيعة السياسة الأمريكية بالحفاظ على جميع الأدوات لتفسير التعاطي الأمريكي مع تركيا من جانب والأكراد من جانبٍ آخر، ولكنها لا تصلح لتفسير سياسة التفضيل التي تمارسها أمريكا تجاه الأكراد مقارنة بالأتراك، وقد صرّح بذلك وزير الخارجية التركي، حيث اعتبر أنه “يبدو أن أمريكا اختارت الأكراد لمعركة الرقة دون تركيا”. واكتشف أردوغان مؤخراً أن المنطقة الآمنة التي تَهلل بها وهلل لها، واستعجل على إثرها للتنصّل من التزاماته أمام روسيا وإيران، ما هي إلَّا الكابوس الكردي بالفدرالية.

وقد نبالغ إذا قلنا بأنّ القواعد الأمريكية الجديدة في الشمال السوري، هي بديل استراتيجي لقاعدة “إنجرليك”  ولكنها تصلح كبديل مؤقت تسحب ورقةً مهمة من اليد التركية، كما أنها تهديدٌ بإفراغ تركيا من أطلسيتها، وهذه الأطلسية هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن تختال به أمام روسيا وستجعل من عرّاب المشاريع والمصالح الأمريكية في المنطقة أردوغان يجلس عارياً أمام الرئيس الروسي إلّا من التوسلات بالعودة لتفاهمات ما قبل تصريحات ترامب حول المنطقة الآمنة، وبما أنه لا يوجد ماهية محددة للسياسة التركية سوى التقلب والانقلابات  فلا نستطيع البناء على ما تنتجه لقاءات أردوغان وتصريحاته.

فالموقف السوري مبدئياً يتعامل مع هذا التواجد باعتباره احتلالاً لا شرعية له، ولكن في هذه الأثناء الحكومة السورية غير معنية بفتح جبهةٍ جديدة لترحيل هذه القواعد، خصوصاً وأنها في هذه اللحظة تشكل ضغطاً شديداً على الحكومة التركية، وفي ذات الوقت فهي لا تشكل خطراً جدياً ينبئ بنجاح مشروعها التقسيمي، وطالما أن الحكومة السورية ترفض ذلك الوجود كما ترفض مبدأ التقسيم مهما كانت مسمّياته، فإنّ مسألة تفكيك تلك القواعد هي مسألة وقت لا أكثر، وينطبق هنا قول الروائي الروسي تولستوي “يربح الحرب الجانب المصمم على الربح”  ولا يوجد طرفٌ مصممٌ على الربح مثل سوريا وحلفائها، أما أعداء سوريا فهم مصمّمون على استمرار النزف والتخريب، وأما ما تسمّى بـ”المعارضات السورية” فهي مصممة على استمرار الاسترزاق.

” إيهاب زكي “

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz