” الانقلاب على الإرهاب خيار الضرورة لمنتجيه “

يعيش الإرهاب العالمي العابر للقارات هذه الأيام أسوأ حالاته، بالرغم من الضربات الموجعة التي يتسبّب بها في الدول التي خُلق أو زُرع أو أُنشئ أو حتى نُقل إليها من وراء الحدود.

هذا الإرهاب تاريخه طويل وواسع الأفق،  وأشكاله تعددت وتغيّرت من فترة زمنية إلى أخرى، حطّ هذا الإرهاب رحاله في السنوات الست الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، وحرق ما حرقه ودمّر ما دمّره، وقتل ما قتله في بعض دول المشرق العربي، وتغطى بغطاء  ما سمّي “الربيع العربي”،  الذي يشبه كل الفصول بحرّها وبردها وجنونها على البشر إلا الربيع الذي يعطي حقاً الأمل بالحياة، وتتجدد فيه دورتها، أما الربيع هذا المسمّى بالعربي فقد تجدد فيه كل شيء بما فيه القتل والموت الحرام إلا الحياة زُهقت فيه.

تفاوتت مدد هذه الموجة الهائجة من الإرهاب الحديث من دولة إلى أخرى، فمنها من استطاع أن يتجاوز الموت بدفع فدية مؤقتة كما في مصر وتونس، ومنهم دفع كل الوطن كما حدث في ليبيا ،وكما يجري في اليمن حالياً  والعدّ يطول والشرح لا ينتهي، حتى نصل إلى سورية التي ذكر هذا الربيع بنفسه في سنته السابعة في أن يقتل العدل في قصره، والإنسان في بيته وفي مكان راحته واستجمامه، من خلال “روبوتات” إرهابية مجهّزة منذ زمن لهذه المرحلة، تعمل لصالح قوى إقليمية ودولية عجزت عن تركيع حلفاء سورية وشعبها الصامد على خط النار الأول في وجه الإرهاب منذ ست سنوات خلت.

وحتى لا نغوص في تكرار الأحداث والبديهيات التي ترتبت عليها هذه الأحداث، وبالعودة إلى العنوان الأساس في مرحلة ما قبل بداية الانقلابات الإقليمية والدولية على الإرهاب، الذي صنعته بعض هذه القوى، ودور وقدرة سورية على المواجهة وتكسير مخططاتهم المسبقة الصنع.

 نبدأ من أستانا “3” الذي كان بالفعل ضرورة موضوعية لإنجاح جنيف، كونه ترتب على فك الحصار عن القوى الإقليمية والدولية التي فشلت جيوشها الممثلة بالمجموعات الإرهابية وأدواتها البديلة في تحقيق أي مكسب يسمح لها بالمناورة السياسية، والحصول على ما أرادوا الحصول عليه بالسياسة بعدما فشلوا بقوة السلاح وبالقتل والتدمير، فأستانة لم يعد سوى محطة للتفاهمات بين هذه القوى، التي تتغطى تحت ستار دعم الحوار السوري السوري، والحل السياسي.

الملفت للنظر هنا هي القدرة الكبيرة للحكومة السوريّـة على مسايرة هذه المسرحيات الهزلية المكشوفة، ولا يمكن أن ننكر أن مشاركة وفد الحكومة السوريـّة في محادثات أستانة لا يمكن تفسيرها إلا على أنها  فهـم واسع لما يجري وثقة كبيرة بالحلفاء وعلى رأسهم الحليف الروسي ومعه الإيراني وقوى المقاومة، الحليف الذي يحاول أيضاً أن يقطع الطريق على أيّ ذريعة من شأنها أن تؤثر سلباً على المسار السياسي مهما كان هناك من حـط ونـط  لا يعدو أكثر من لهو أطفال أو لعب شياطين أغرار ضاع شيطانهم الأكبر في وهرة خسارة الرهانات.

فالوفد المعارض المسلح وفق مفهومهم، الذي دعي  إلى أستانة كان عبارة عن خليط من الجبهتين الشمالية والجنوبية، الجبهة الشمالية رفضت المشاركة ووضعت شروطاً لم تلتزم بها نفسها خاصة لجهة الالتزام بوقف الأعمال القتالية، حينها رئيس وفد الجمهورية العربية السورية الدكتور “بشار الجعفري” وجّـه أصابع الاتهام إلى تركيا كونها الحاضن والضامن لهم  بنفس الوقت ويتحركون بتوجيهاتها وعلى أراضيها، وهذا أمر واقع، لكن هناك من يقول إن هؤلاء خرجوا عن السيطرة وتلعب بهم قوى ثالثة تريد أن تبتز الجميع، علّ الولايات المتحدة المقصودة بذلك، وهي التي أرادت أن تأخذ لنفسها مكاناً على الجغرافيا السوريـّة لتقول للجميع ها أنا هنا، ولي حصّة في كل ما يجري ، وخاصة للروسي الذي استطاع إلى حـدّ كبير احتواء التركي المحاصر والذي نكث ككل مرة العهد مع الروسي وتجاوز الخطوط الحمراء المتفق عليها ، حوصر التركي في مثلث حاد الزوايا بعد دخوله الأراضي السوريـّة كمحتل وفق القانون الدولي ، وممارسته الاعتداء على سيادة دولة جارة، كما جاء على لسان الرئيس الأسد بما يخصّ كل من دخل الأراضي السوريـّة دون التنسيق مع الدولة السوريـّة فهو محتل وهذا حقه وحق دولته وفق القوانين والأعراف الدولية التي تحكم علاقات الدول.

وبالعودة إلى التركي المحاصر جغرافياً وأمريكياً ، نراه لم يعد يستطيع لا التقدّم بعد الباب ، ولا يستطيع التوجه نحو منبج ، ولا حتى الرقة وبقي أمام خيار واحد ، هو التراجع إلى حيث أتى ، وهذا ما يحتاج إلى حسابات كثيرة في طريق الرجعة في ظلّ الظروف الراهنة والمعقدة والواضحة في آن واحد لكن يعجز الجميع عن فك عقدها  ومن الناحية الأخرى خذله الأمريكي الذي حاول أن يلعب بورقة بعض القوى الكردية والتي فشلت على هذا الأساس الباهت ، ليشكل كياناً يتحكم بالمنطقة من خلاله في حالة الاستقرار من عدمه ، وهذا ما لا يتقاطع أبداً مع المصالح التركية  نفسها ، ولا السوريـّة، ولا مع مصالح العراق وإيران وروسيا ، فشكّل الأمريكي  قوات سورية الديمقراطية ، على أساس أنها قوى مشكلة من قوميات مختلفة بما فيها العرب والأكراد المنضوين في هذا الإطار  لتكون الأساس لتشكيل هذا الكيان الذي سبق ونجح معهم إلى حـدّ كبير في العراق ، حيث أنه تحول إقليم كردستان العراق  بالفعل إلى دولة ، هو ليس دولة معترف بها ، لكن في الواقع يعيش كدولة لها برلمانها وجيشها ومناطقها الجغرافيّة المرسومة والقابلة للتوسيع بعد السيطرة على حقول النفط في كركوك   والاشتراك بمعطيات وتطورات الوضع الداخلي العراقي والإقليمي كدولة مستقلة .

وهذا المشروع في سورية  فاشل لا محالة ولن يُسمح به  والولايات المتحدة تعلم ذلك وتعيه بكل منعكساته وتفاصيله وما يمكن أن يترتب عليها ، إذاً الشمال السوري والشمال الشرقي أمره شبه محسوم ، لا مناطق آمنة  ولا احتلال تركي دائم ، ولا تواجد أمريكي واضح ، وهنا السؤال هل التواجد الأمريكي في هذه المناطق للبقاء الدائم في ظلّ الحديث عن إنشاء حوالي سبع قواعد عسكرية أمريكية ؟

 أم أنه تواجد مؤقت للمساومة مع الطرف الروسي بالاعتماد على خفايا اللقاء الثلاثي لرؤساء هيئات الأركان الروسي والتركي والأمريكي في أنطاليا مؤخراً والذي بقت أوراقه قيد الكتمان؟ هنا التساؤل الأكبر…!!!

وعندما نعود إلى الجبهة الجنوبية والتي باتت قيد الإغلاق مع المتغيرات والتحولات الحاصلة من جهة الموقف الأردني ، الذي تغير بشكل واضح وأعلن عزمه على التنسيق مع الإيراني والروسي لأجل توحيد الجهود في تحديد المخططات الجغرافية لتوزّع المجموعات الإرهابية المسلحة ، وهذا ما قد يفسّر إقالة أو استقالة أسامة أبو زيد أحد قادة هذه الجبهة والمتحدث الرسمي  باسم وفد الفصائل المسلحة ، والذي يعود انتماؤه بالأساس إلى غرفة “الموك” في الأردن التي كانت تدير العمليات في الجنوب السوري.

الأردن تمّ الثناء على دوره في أستانة من قبل رئيس الوفد الروسي “لافرينتيف” ، وهنا يمكن الانتقال وبزاوية حادة للحديث عن التشابك الاقتصادي الروسي الإقليمي والدولي وكيف وصل إلى هذه المرحلة ، وكيف استطاع الرئيس بوتين تطويع كل هذه الأطراف من خلال شبكهم اقتصادياً مع روسيا ، وفيما بينهم ، بعد أن فشل المخطط لتمرير أنابيب الغاز والنفط عبر سورية لتكون المرحلة القادمة إغلاق سوق الطاقة والغاز الروسي إلى أوروبا التي تسدّ روسيا نسبة “35%” من حاجتها إلى الغاز ، لقد عقد الرئيس بوتين صفقات ، واتفاقات اقتصادية وعسكرية كبيرة مع دول الخليج ، وإيران وغيرها من الدول في قمتي الدول العشرين في بكين العام الماضي  وفي قمّة بطرسبورغ الاقتصادية. على سبيل المثال لا الحصر، قطر اشترت من (20 إلى 30 ) بالمئة من شركة روس نفط والبحرين تستورد الغاز الروسي بالرغم من قربها من موارد الطاقة في الدول المجاورة ونعني بالدرجة الأولى قطر الكويت تستورد الغاز الروسي أيضاً ، وبالعودة إلى الجبهة الجنوبية نرى أن الأردن لم يكن بعيداً عن هذه المكتسبات التي يحتاجها ، وهو الذي يريد أن يحقق أكبر قدر ممكن من نجاح القمة العربية القادمة على أرضه في ( 28 و29 ) آذار الجاري ، وهو الذي حرمته السعودية من النفط فأسعفه العراق هذا عدا عن المشروعين الكبيرين لروسيا لافتتاح مركزين عالميين للقمح في مصر والأردن ، روسيا قطعت الطريق بين الكل ، ومع الكل ، وعلى الكل حتى ضاع حلم مشروع خط الغاز القطري على سورية ومات خنقاً بغبار حوافر الإرهاب ، وتاه مشروع خط الغاز الإسرائيلي عن وجهته وتمريره على الأقل حتى اللحظة   وضيعت غرفة “الموك” خطوط عرضها وطولها ، وسهت عن سمتها الميداني والسياسي والاقتصادي بالمحصّلة.

أوروبا غابت فيها الشمس وباتت في تخبّط ، دولها مشغولة بالانتخابات التي عكر صفوها أردوغان والله أعلم المخفي ، وبريطانيا التي أصبحت الحركات الإسلامية التي أسستها سراً عبئاً عليها ، وفي مقدمته هذه ، جماعة الإخوان المسلمين الذي يعتبر أردوغان رأسهم في منطقة الشرق الأوسط ، ما جعله في لحظة من اللحظات تكررت عدّة مرات في أن خرج عن الخط المرسوم له ، وراح يعمل لينقذ نفسه على الصعيد الداخلي قبل الإقليمي أصلاً ، وهذا ما يمكن أن نفهمه من سلوكياته مع دول الاتحاد الأوروبي التي لا يمكن التكهّن بها في الحقيقة  .

أهي بالفعل سلوكيات فردية جنونية أم متفق عليها وكل طرف يحاول حصر الآخر قبل السقوط إلى الهاوية وبدء الانقلابات؟.

لنصل إلى الولايات المتحدة ، وهنا مربط الفرس كما يقول المثل العربي، فبعد وصول ترامب إلى سدّة الحكم بفعل تطورات الأحداث الحاصلة ، والفوضى التي لفّت العالم كله ، جرّاء الأخطاء في تنفيذ مخططات المئوية الجديدة والخلافات الأمريكية الداخلية بين القوى المتصارعة على السلطة في العالم ، وخاصة الاقتصادية والصناعية التجارية العملاقة وأجهزة المخابرات ومراكز مراقبة العالم من جهة ، وبين الولايات المتحدة ودول أوروبا من جهة أخرى ، ومن جهة ثالثة مع روسيا ، القوة العالمية الجديدة أو القديمة المتجددة ، التي لا يمكن أن يتم تخطّيها في أي ملف على مستوى العالم ، ما جعل من الولايات المتحدة دولة كبرى تقف بالدور حتى تحصل على مكتسب يعطيها حق الإنجاز، وهذا ما سعى إليه ترامب ومازال ،  وبنفس الوقت ما شدّد الخناق على ترامب وإدارته التي لم تكتمل حتى اللحظة ، ويعود ذلك إلى نفس الأسباب التي أسلفنا ذكرها بالمختصر المفيد والشديد، روسيا والولايات المتحدة الأمريكية على أرضيّة الصمود في وجه أدواتها وأدوات حلفائها على الأرض السوريّـة ، تقف هاتان القوتان على مفترق التشابك الاقتصادي ، لأن التشابك الاقتصادي هو الكفيل بالفعل بتحقيق الاستقرار السياسي.

روسيا غلبت الولايات المتحدة في الجولة الأولى في هذا التشابك ، ومن المتوقع أن تغلبها في الجولة القادمة مع بدء مرحلة التخلص من الإرهاب وأدواته ، أو على الأقل تنويمها ريثما يتم وضع العين على مجال حيوي آخر قد يكون إفريقيا أو بحر الصين الجنوبي ليسلّم الأمريكي مفاتيح الشرق الأوسط لروسيا ويجعل منها حليفاً على مبدأ مكره أخاك لا بطل، ريثما يتحيّن التحضير لجولة جديدة وربيع جديد، من الصعب التكهّن بأرضه وزمنه وأدواته.

(( د . ن . إبراهيـــــم ))

  • المصدر (( sputniknews ))

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz