“القارة الثامنة واحتلال العقول “

مواقع التواصل الاجتماعي، العالم الافتراضي، “القارة الثامنة” التي تجمع شعوب الأرض كلهم سوياً، السرطنة المعلوماتية، أطلق عليها ما شئت؛ فلن تجد المسمّيات في تغيير حقيقتها أو التخفيف من المأساة التي أصابت مجتمعاتنا العربية في الفترة الأخيرة، فلقد تحولت إلى وباء قد يصيبنا في المنزل، العمل، الشارع، بمجرد اتصالنا بشبكة الإنترنت نتحول إلى تلك المسوخ بدون إرادة وتفكير، منعزلين تماماً عمّا حولنا، وأصبح العالم الافتراضي ساحة التعبير الأولى لكل ما نعاني منه في حياتنا، …وهكذا تحولنا إلى ما يشبه المرضى النفسيين نقدّم كل ما يخصّنا على طبق من ذهب ليقوم آخر بتحليله وتقديم نتائج وحلول لأمراضنا ونفوسنا العاجزة عن كتمان ما نتعرض له في حياتنا من مشكلات وأزمات ولا يقتصر الأمر على ذلك بل تجد من يسجّل كل لحظة من لحظات حياته ليقوم بنشرها والإفصاح عنها علانية لا للمشاركة مع الآخرين بل ليجذب الأنظار إلى حياته الشخصية سعياً خلف شهرة مؤقتة وهناك من يسجّل لحظات زائفة ليقوم بنشرها سعياً للحصول على إعجاب من حوله واهتمامهم.

بالتأكيد نحن لا ننكر أهمية مواقع التواصل الاجتماعي كونها تسمح بتبادل الثقافات والعلوم المختلفة والأخبار  حيث تعتبر مواقع التواصل الاجتماعي أسرع الوسائل الإعلامية وأقلها تكلفة. وخاصةً مع تنوع الفئات العمرية التي تستخدم تلك المواقع بصورة مستمرة وكون فئة الشباب هي الأكثر استخداماً وتأثراً بها.

ولكن لم يقتصر الأمر على ذلك لقد حولنا العالم الافتراضي إلى آلة لا تعي إلا ما يقدّم من خلالها، تبث ما يريده داخل عقولنا ويؤثر على معتقداتنا الدينية وقيمنا الثقافية والأخلاقية، وننصاع لها بكامل إرادتنا، بل قد نؤمن بتلك المعتقدات ونصبح من المناصرين لها، ومع تنوع واختلاف ما يقدّم في هذا العالم، من أفكار دينية وثقافية وسلوكية… نفقد هويتنا العربية، تحت ما يسمّى بمفهوم العولمة والثقافة الموحدة.

وهنا تكمن المشكلة، إصرار القائمين على إدارة تلك المواقع على أفكار بعينها وانحيازهم إلى جانب دون الآخر  بصورة واضحة للغاية، فمثلًا بعد وقوع الحادث الإرهابي الشهير في فرنسا تحولت أنظار العالم إليه وتوجّهت كافة المواقع والمؤسسات الإعلامية لأداء دورها في نشر أبعاد الحادث والتعبير عن استيائها من الحادث، وعلى العكس  تماماً تقع مئات الحوادث في العالم العربي بصورة مستمرة ومتتابعة ولا يتم الإعلان عنها وفي أحيان أخرى يتم حجبها والتقليل من انتشارها، وتستمر مواقع التواصل الاجتماعي في خلق عالم آخر موازٍ للواقع  ويعمل على جعلنا عبيداً لا نطيع إلا ما يقدّم من خلاله.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz