“سوريـة وسياسـة فقـع المثانـة “

نحن نرى الهدوء السوري على مدى السنوات في الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ما ينتاب الشباب منا الشعور بالإحباط , بينما يدرك العارفون من الجيل الأكبر معنى الصمت المربك والهدوء المريب من خلال خبرتهم بسياسة سورية قديماً وحديثاً .

لقد صمتت سوريا على اعتداءات إسرائيل بعد نكسة حزيران 1967 ست سنوات فكان الردّ في تشرين 1973  بصواريخ سام وصدمة إسرائيل لا توصف وهذا ما حصل في آذار 2017 وكانت صدمة جديدة لإسرائيل.

فسوريا التي تعاني من الإرهاب والجبهات الحربية المفتوحة ردّت حتى لو فُتِحت جبهة إسرائيل ونحن هنا لا نتكلم من مبدأ أننا سوريون بل هي شهادة بلسان أشدّ أعداء سوريا .

رئيـس وزراء إسرائيـل السابـق اسحـق رابيـن قـال عـن الرئيـس الراحـل حافـظ الأسـد: ” صحيح أن الأسد ألدّ أعدائي ولكنه أذكى لاعب في الشرق الأوسط ” ، الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وصف الرئيس حافظ الأسد بأنه ” رجل قاس لكنه ذكي جداً” ، وقال أيضاً عقب لقائهما في جنيف 1994: ” لن يتحقق سلام في الشرق الأوسط  إلا إذا وافقت سوريا ” وتابع قائلاً: ( حاولت بشدّة إقناع الأسد بالسلام مع إسرائيل كما فعل السادات لكنه لم يقتنع وكان همّه الوحيد إعادة الجولان قبل وفاته ) وذكر كلينتون في مذكراته ” أهديت الرئيس الأسد ربطة عنق زرقاء عليها صورة أسد ففهم ما أقصده وقبلها مبتسماً , وكنت أعني بها الإبقاء على شريط حول بحيرة طبريا تسيطر عليه إسرائيل , وستعود الجولان كاملة لسوريا , ولكن الأسد قال لي بحزم ” أريد أن أجلس على طرف طبريا وألمس ماءها بقدميّ ” كانت جلسة الرئيس الأسد مميزة , وحضوره طاغ ولم نرَ رئيس دولة تستطيع أن تجلس بحضوره براحة أو تمازحه , إنه يملك شخصية قوية وهيبة ووقار .

أما ثعلب السياسة الأمريكية “هنري كيسنجر” فقال في مذكراته عن لقائه الأول بالرئيس الراحل حافظ الأسد :” لقد فردتُ عضلاتي الثقافية والسياسية ورحت أستعرض أحداثاً تاريخية وسياسية والرئيس الأسد يصغي بكل اهتمام دون أن يَنبُس بكلمة وعندما انتهيت أعطاني محاضرة استمرت حتى الخامسة صباحاً ” نعم لقد كان أول درس تلقيته من الرئيس الأسد ” ، لقد دامت المفاوضات بين الرئيس الأسد وكيسنجر (136) ساعة في 12 لقاء خلال شهر واحد وقال كيسنجر : ( كلّما اعتقدت أننا وصلنا لنهاية الجلسة يعود الأسد لنقطة الصفر فقد استطاع الأسد بهذا الأسلوب فرض نفوذه على حساب أيام القلق والتوتر التي عانيتها ) .

من ناحيته أكد “جيمس بيكر” وزير الخارجية الأمريكي أن سياسة الرئيس الأسد جعلته يرفع الراية البيضاء ويستسلم بعد مباحثات لمدة 63 ساعة مع الرئيس الأسد , إنها سياسة فقع المثانة, كما ذكر في مذكراته 1999 عن جلسات تفاوضية شاقة جمعته بالرئيس الراحل حيث قال :”على مدى إحدى عشرة اجتماعاً أدركت أن الأسد رجل يلتزم بكلمته رجل شديد البأس والصلابة, وهو لا يظهر أي لين على الإطلاق في مسألة الأرض ومساندة الكفاح الفلسطيني المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي .

القائد الراحل “حافظ الأسد” رفض أن يزور واشنطن فجاءت واشنطن إليه , ونحن نجد اليوم أن روح وحكمة وبأس الأب انتقلت إلى الابن , وسياسة النفس الطويل وفقع مثانة الأعداء باقية , والردّ وإن تأخر قادم , وكمـا كانـت سوريـا في عهـد الرئيـس حافـظ الأسـد الرقـم الصعـب , ستصبـح في عهـد بشـار الأسـد الرقـم المستحيـل .

المصدر ” مركز فيريل ” .                              

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz