” الفرق بين الدول وشيوخ القبائل “

قبل أن يتورّط صدام في حرب إيران كانت الدوائر الغربية والصهيونية تحفّز تركيا وجيشها لإنجاز المهمّة وإجهاض ثورة إيرانية هشّة. تركيا علمانية ولا تخدمها ثورة دينية على الحدود. رغم هذا الخطر المحدق بتركيا ورغم ماض من الصراع العثماني الصفوي فإن تركيا لم تتورّط وتورّط صدام الذكي. لماذا؟ لأنّ تركيا دولة ولأنّ صدام شيخ قبيلة. الآن تضجّ قبائل العرب بحديث عن التمدّد الفارسي وعن صراع السنة والشيعة وتنتكس أعلام القبائل بسبب الإتّفاق النووي المنتظر. أما أردوغان فيصل طهران على رأس وفد ضخم ويوطّد العلاقات ويعقد الإتّفاقيات ويخطّط لتستفيد تركيا من التطوّرات. أمّا الإيرانيون فيرحّبون ويستقبلون أردوغان بأبرز رموز السلطة والقرار والكلّ يعلم أنّ التنافس بين البلدين شديد ولكنّه تنافس مؤطّر بالسياسة والمصالح ومحسوب لجهة الجيرة والتاريخ. تنافس لا يُسقط في الحمق ولا الجنون ولو يقارن المرء هذا المسلك بمسلك آل سعود يعتدون على جار عربي لصيق يفهم جوهر الأزمة. هل تعتقدون أنّ الأتراك متخوّفون على سنّيتهم من تشيّع الإيرانيين؟ هل تعتقدون أنّهم مهووسون بالتمدّد الإيراني؟ لا، لأنّهم أقوياء ومن كان قوياً لا يخشى إلا بمقدار فلا يفقد عقله ولا يهذي. هنا تحديداً بيت القصيد: العرب ضعاف والطرف الذي سعى أكثر من غيره في إضعاف العرب ثقافة وأمناً وسلاحاً ووحدة واستقلالاً هو الطرف السعودي. كان هذا هو الدور المرسوم للسعوديين منذ البداية وهذا الدور هو الذي يقدمُ إليهم اليوم بالويلات. تصرّفت السعودية دائماً بوصفها قبيلة كبرى وسعت في إخضاع باقي القبائل وحرّمت مرورها ومرور غيرها إلى مستوى الدولة. تركيا دولة، إيران دولة، العرب بين قبائل وعصابات يخضعها القوي وبأسها بينها شديد. قبائل تستثمر في الجيف وتلوك التاريخ: عربي، فارسي، سني ،شيعي خارجي، تكفير وجزّ رؤوس. ومن المحزن المبكي أنني أحدّث طلبتي عن عبث الحروب الدينية التي شهدتها أوروبا ويستدرجني إليها فلاسفة ومثقّفون. أسأل نفسي: هل يا ترى لا زلت أغلبياً أو صنهاجياً أو زيرياً أو فاطميا أو حسينياً؟   ولا أجد من كلّ هذا شيئاً. ما أجده أنّني تونسي عربي ومسلم بلحظة أزمة وانسداد أفق وغياب معنى. أجد هذا وأتذكّر قول ( مظفر النواب ) : “سنكون يهود التاريخ ونعوي في الصّحراء بلا مأوى”. ليست مشكلتنا أنّ الآخرين يتمدّدون نحونا فالتمدّد من الحركة والحركة حياة ولكنّ المشكلة أنّنا نتقلّص ونصنع الفراغ. لقد تمدّد أردوغان كثيراً في طهران ولم يولول الإيرانيون فهم دولة والدول تفهم أنّ التمدّد قانون أمّا القبائل فلا تفهم لذلك تفسح للمتمدّدين كانوا تركاً، كانوا فرساً أو إسرائيليين. أسأل الله صاعقة تحرق شيخ القبيلة وتبدّد خيمته.

بقلــم منصور الهديلي ( كاتب تونسي ).

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz