” لأقتلنّك ” : ثقافة الإلغاء

يتلو علينا القرآن في سورة المائدة (نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال “لأقتلنّك” قال “إنما يتقبل الله من المتقين..”)

يقصّ علينا هذا المشهد قصة أول جريمة سفك دم بريء في تاريخ البشرية، ومنذ تلك الجريمة لا يزال البشر يفسدون في الأرض ويسفكون دماء بعضهم بغير حق..

يكشف هذا المشهد القرآني السبب النفسي العميق الذي يدفع إنساناً إلى قتل أخيه الإنسان، فسبب جريمة ابن آدم الأول هو قبول قربان أخيه وعدم قبول قربانه!! وسأحيل جميع القارئين في هذا المقال للواقع المرير الذي شهدته سورية في فصول حرب الأعوام الستة التي استنزفت البشر والحجر وكل شيء .. لن أضيف جديداً للمقتنعين بأنه سيناريو مخطط بإتقان  بدأت لوحاته في مخيلتنا كفيلم وثائقي, بيدقه كان مواطن دفع له لاقتراف جريمة القتل ضد أبناء بلده, وما دفعه هو ضعف موقفه الأخلاقي، فأراد أن يعوّض هذا الضعف باللجوء إلى العنف.

 “لأقتلنك” تعني الإلغاء، وكل أساليب إسكات الخصم وإلغاء وجوده فيها حقيقة “لأقتلنك”، أما القتل بمعناه المباشر فهو الحالة القصوى التي تبلغها ثقافة الإلغاء والنفي، القتل بمعناه المباشر ليس هو الشكل الوحيد، فكل ضيق بالخصم الفكري وسعي لإسكاته سواءً بالتخويف والإرهاب أو بإعلاء الصوت أو بعدم إعطائه فرصةً للحديث المتكافئ في الإعلام للتعبير عن موقفه وحتى بمجرد التلويح في وجهه بعلامة التهديد، كل هذه الأساليب فيها حقيقة لأقتلنك..  لقد تبيّن لنا في اعترافات الكثير من الشباب الذين زجّ بهم لقتال الدولة ومن يقول أنا مع الدولة بأن اللجوء إلى العنف يخفي وراءه ضعفاً أخلاقياً… حين أن هؤلاء لم يستطيعوا إثبات أنفسهم في ميدان الحق فلجؤوا إلى أسلوب إلغاء الطرف الآخر حتى  يتخلصوا من عبء الإحساس بالفشل الذي يسببه له نجاح الآخر..افتعلوا فوضى خارجية كانت ذريعتها محاربة الفساد الذي هو بالأساس جزء لا يتجزأ من المنهج الفكري الذي جاء في خطاب القسم للسيد الرئيس بشار الأسد … لقد انتبه ابن آدم المؤمن والعلماني والزاهد لهذه المعادلة لذا حرص على إبقاء المعركة في ميدانها الصحيح كمواجهة بين الحق والباطل، بين العدالة الأخلاقية والقوة الباغية، حتى ينزع الغطاء الشرعي عن أية جريمة قد يقترفها أخوه “إنما يتقبل الله من المتقين”.. ،  فمعركتنا اليوم وميدان حربنا واضحةً لا تشوبها شائبة فقد رفضنا الانزلاق إلى مربع العنف الذي يختلط فيه الحق بالباطل ولكنها فرضت علينا أمام واقع إرهابي محلي دولي تكفيري بغيض …

صحيح أن صاحب منهج “لأقتلنك” نجح في إنفاذ وعده وقتل أخاه، لكن القرآن لا يجعل من هذا القتل الفصل الأخير في المعركة إنما ختمت القصة بما كان بعد ذلك “فأصبح من الخاسرين” .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz