(( هل والدك موجود ؟!!! يا ولديّ ))

تأخرتُ في الالتحاق بباص السّفر إلى بلدي في 19 آذار , و حين صعدت لاهثاً وجدتُ مقعدي وحيداً شاغراً , جلست و أنا أنظر إلى جانبي فرأيت سيدة وقورة , ملامح ُ التعتير على وجهها , لفحتها شموس التعب و رياح الكدِّ, فسألتني على الفور: لماذا يا بنيّ أنت مستعجلٌ و متلهفٌ للسفر. أجبتها: (( بأنـي ذاهـب لأرى والدتـي قبـل عيدهـا.. فهـي مريضـة )) ابتسمـت للجـواب , و قالـت: هـل تحبّهـا كثيـراً ؟, قلـت : نعـم فهـي قامـت بتربيتنـا و تعليمنـا و تعبـت مـن أجلنـا. و علـى الفـور فاجأتنـي بسـؤال كلّـه تعجّـب و غرابـة و حيـرة : ((هـل أبـوك موجـود)). قلـت : نعـم, و هـو أستـاذ ووجيـه المنطقـة و مشاغلـه عديدة . فنزلـت دمعتُهـا علـى خدِّهـا القمـري, فنـوره نـور الأم و وهجـه حنانهـا و دفؤُهـا.

علـى الفـور سـردت قصتهـا قائلـةً : تزوّجـت فـي السابعـة عشـر مـن عُمـري و رُزِقـتُ ثلاثـة أولاد.

لضيــق الحــال سافــر زوجــي و هاجــر إلــى دولــة ٍ ليجمـــع المـــال ويـرسلــه لتعليـــم الأولاد … لــم يكــن هنــاك سابقـــاً اتصـــال كمــا هــو الآن …          و انقطعـت أخبـاره … فلجـأت إلـى إصلـاح الثيـاب للجيـران و الأقـارب لكـي نأكـل و أعلّـم الأولاد , و أخـذ بعضهــم يتصـدّق و واجهت ضغوطاً هائلة كوني فتاة جميلة …  و كـان تعليـم أولادي همّـي الوحيـد و صـرت أتخيلهـم أطبـاء و مهندسيـن

وفعـلاً دخـل الأول كليّـة الطـب و كانـت وصيّتـي عندمـا يصبـح طبيبـاً بـأن يعالـج المحتاجيـن مجانـاً, و تألـق فـي دراستـه  و لحقـه الثانــي …    فتحمّـس زوجـي و بعـث لـي مبلغـاً و دعـوةً , بالمـال تمكنـت مـن فتـح مشغـل خياطــة و صـرت أساعــد البنــات و أوظفهـم عنـدي كونـي مـررت بنفـس القصـة و السيـرة مـن صعوبـة الحيـاة..

بمرور الزمن و بتحسّن الأمور قلت ألبّي دعوة زوجي لأسافر إلى عنده كونه لا يستطيع ترك مقرّ عمله و رزقه الذي يخاف عليه أكثر منا و كان ذلك و لكن عندما وصلت فوجئ بقدومي و أنا صُعِقتُ بما رأيت من جاريات و خادمات .. فعدت أدراجي إلى عند أولادي و ذكرت كم هو شغل أبوهم صعب و حاولت رسم صورة جميلة في أذهانهم.

مرّت الأيام و إذا بأبو فلان يعود إليّ محمّلاً مكسراً من حادث حيث يحتاج إلى عناية شديدة من مقربين له .. اهتممت به مع الأولاد باستثناء الشاب الأصغر و بسبب حرمانه من عطف والده و إحساسه بإهماله .. كـان يفتـح البــاب و يسـيء لأبيــه بالنظــر … فكنـت أعنّفــه و أقــول لــه : صبّــح علــى أبــوك و ادعوا له بالشفاء..

مرّت أشهر صعاب و عانى الرجل كثيراً و تألّم و لكن الألم الأعظم كان من صِراعٍ في داخله , من إهماله لنا و من نظـرة ولـده و أحـسَّ بحجــم كبيــر مــن الذنــب , و رغــم ذلك عــاد و سافــر إلــى ذلك البلــد المشئــوم فور شفائه كمـا ادّعى و قـال ليصفـي أمــوره , و كأنــي كنــت فــي ذهنــه كــان مهمومــاً و الاعتـراف بالخطأ و الخطيئة لم تريحه, كما يقول سيدنا المسيح عليه السلام: (( من منا بلا خطيئة )).. كان يفكر أن هذه الخطيئة لا تغتفر .. و لم يعرف كيف يداوي حاله معنا..

و إذا بحرب تموز تجيء و نشبت من عدوان الكيان الصهيوني على لبنان الحبيب .. و من ذاك البلد البعيد التحق أبو سعد الله بالمقاومة لكي يدافع عن ثرى و تراب الجنوب و في نفسه يعوٍّض عما هو فيه.. و كـان لـه نيـل شـرف الخلـود ليستشهـد و يعطـي أولاده أعظـم و أقـدس ممّـا حرمهـم منه ((العناية و التربية))…

عندهـا افتخـر ( الولــد الأصغـر ) الطبيب الشـاب بأبيــه و بشهادتـه و بنصــرٍ لــن يغيـب و أخيراً تسأل أم سعد الله ((هل والدك موجودٌ يا ولدي, يا ابن الشهيد))… نعم موجود.

 

د . ي الخالد

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz