” صـراع الجـذور و الخصائـص في مشـاهـد العـدوان الراهـن “

( بقلم : د. أحمد الحاج علي )

 

  • إن عناصـر الوعـي ليسـت متابعـة ما يجـري بـل التدخـل إلى الأعمـاق.
  • نسـق الخصائـص المكوّنـة لكـلّ موقف هـو مـادة البحـث و التـداول .
  • الناظــم و الحاســم لمـا يجـري هـو فـي شموليـة الرؤيـة أفقـاً و عمقـاً.

 

لن يستقيم الموقف من خلال هذا العدوان الشامل على سوريا إلا إذا أطلقنا عناصر الوعي السياسي الكفيل بإنجاز الإحاطة العميقة و الدقيقة بالأداء الوطني السوري قبل أيّ اعتبار و بالأسس التي ينتظم فيها و عليها صـفّ القوى المعادية و الضالعة في العدوان و المتطلعة إلى تدميـر هـذا الوطـن أو تحويل نظامـه السياسـي إلى مواقـع الإنهـاك و الفشل و الإرباك في كلّ اتجاه, إن الانطلاق من حقيقـة الوعـي السياسـي بأبعاده الشاملة يتطلّب أن تكتمل في البنية الفكرية لدى كلّ مواطن سوري عناصر مهمة هي مقومات التكوين عند الصف المعادي فالمسألة ليست مجرّد عدوان عسكري عبر إرهاب هائج مصمّم لهذا الفعـل غير المسبـوق فـي تاريـخ البشريـة  إن المسألة أبعد من ذلك بكثير حيث لا بدّ من الدخول و التداخل إلى أعماق هذه القوى المعادية و هذا يمكن التأشير عليه عبر البنود التالية:

إن هذا الفعل الإرهابي بمن فيه و بمن يدعمه هو تيار شامل متكامل و أبعاده تقـع في البنية الاستعمارية الصهيونية و في نسق الأسلحة المادية و المعنوية التي يُزوّد بها هذا الإرهاب في كلّ مفاصله و مسمّياته , إن الإرهاب هنا هو المشهد القائم في الواقع و الذي تمتد جذوره المغذية و الضامنة إلى أعماق الغرب و الصهيونية و إلى أعماق القيم الإيديولوجية و الفكرية التي نظّمت الحياة العربية على مـدى آلاف السنيـن , وهكـذا فـإن الإرهـاب يتطلّع إلى تدميـر التاريخ و الذاكرة و البنية الموحّدة بصورة متلازمة مـع التطلّـع  إلى تدميـر الوطـن السوريّ بكـلّ معالمـه و مكوّناتـه .

إن مـا يظهــر فــي الـواقـع و عبـر المعـارك و فـي المشاهـد التـي تنظّــم هـذا الصـراع القاســي هـو مجــرد تعبيــر حسّـي  وسياسـيّ عــن نزعــة غرائزيّــة أساسهـا الحقـد و الجهـل و استئجـار الضمائـر و السواعـد , لكــن الوعــي يؤكّــد بـأن كــلّ ذلك ينتمــي إلـى جــذور فــي العمــق نتابعهــا حتــى نصــل بهــا إلـى المنابــع الصهيونيــة و الوهابيــة و الماسونيــة والتلموديــة وهــذا ما يُوجــِب أن نبنـي مواقفنـا علـى التبصّــر بالجــذور أولاً و بالممارســات القائمــة ثانيـاً.

لا بـدّ مـن الـردّ علـى العـدو بالسـلاح الـذي يخيفـه و يخشــاه وهــذا الاتجــاه يتطلّـب مستـوى مـن الوعــي بأعمـاق هـذه المؤامـرة الكبـرى , ذلك أننـا أمـام حالـة مـن التزويـر و التشويـه و مـن الضبابيـة و الاضطـراب هـي التـي تشكّــل منطـق العـدوان و مادتـه فــي الحـرب علـى سوريـا , إننـا معنيــون بالتعامـل و التفاعـل مــع الخصائــص المستقــرة والمستمـرة فـي موقفنــا الوطنـي و فـي بنيــة القائمـة المعاديـة ذلك هـو الطريـق الأصيـل و المفيـد .

وهنا تقع المقاطع السياسية الراهنة في المسافة ما بين طبيعة كل طرف و ما ينعكس من هذه الطبيعة في المواقف المؤثرة سلباً و إيجاباً و ما بين وعي كلّ طرف في مخاطر الصراع و المآلات المرة التي تنتظر هذا الصراع في مساره الراهن أو في خواتيمه التي بدت تلوح في الأفق , والأطراف السورية حتى الآن متباينـة إلى حـد النوعية ولذلك نرى الناتج مترهلاً إلى حد النوعية أيضاً و للأمر موجباته لأنه من العبث أن نلاحق المواقف في التعبيرات الإعلامية الصادرة من هنا وهناك بقصـد التمرير و التبرير دون عناية أو التفات إلى مرتسمات هذه المواقف في الأرض و الإنسان عبر الجغرافيا السوريّـة.

وهنا نلاحظ بأن الطرف الوطني السوري في كل الاجتماعات و المؤتمرات و برغم التشويش و التشويه الذي أرادوا إدخاله على الأداء الوطني نرى أن هناك خصائص ثلاث تحكم الموقف الوطني و تنظم حركة هذا الموقف في الميدان العسكري كما فـي الميدان السياسـي :

الخاصية الأولى هي المتمثلة بالانسجام مع الذات الوطنية و الانسجام مع متطلبات العملية السياسية حيث لا مواربة و لا فاصلة بين الظاهر و الباطن وهذه الخاصية تطلق الرسوخ و الثبات للموقف الوطني و تستدرج تباعاً الكثير من النظرات وأنماط السلوك عند الآخرين , و البنية هنا ومن خلال هذه الخاصية ليست مجرد ادعاء أو فطرة إنها أعمق من ذلك بكثير فهي قصة تكوين متبلور و وعي متجذّر ومنهج يربط الحقائق بمصادرها وغاياتها بصورة واضحة .

والخاصية الثانية هي هذا الإيمان بالمنهج السلمي عبر الحوار و البحث المضني عن شذوذات إيجابية عند الآخرين سواءً كان الآخرون معارضة حتى و لو كانت مسلحة أو طرفاً دولياً ميئوساً منه في الأصل كما في الفروع لكن هذا الارتقاء السوري الوطني بعنوان السلام من طرح الفكرة إلى الالتزام العضوي باستحقاقاتها ومهامها في علاقات البشر حتى و إن كانت هذه العلاقات متصادمة , هذا المعنى هو الذي أعطى للحوار المتعثر ديمومته و استمراره و لا سيّما أن أجيالاً كاملة من المناقبية أساسها التسهيل  وتعزيل العقبات أمام ملمح السلام وإطلاق روح التفاؤل و استبعاد أي تشنج أو اتهام , هذه المنظومة من أساليب التعامل مع القضية الشائكة هي التي أبقت على الحوار في سياقه و أمّـنت له برغم المخاطر و التعقيدات والأحقاد حيزاً و إن كان نظرياً مازال على قيد الحياة , و ما زال ينشر موجبات الحوار في كلّ مفاصل اللقاءات بما تنتجه و بما ينتج عنها إنها خاصية المسؤولية في نهاية المطاف وهي تصدر من منبع الثقة بالذات ومن منطق القوة لأن السلام في الأصل هو قــرار

القيم و الرجال المؤمنين بهذه القيم و المكونات البشرية و الوطنية و السياسية القادرة على حمل مسؤولية السلام في مناخ الظلام , و العالم كله صار يعرف هذا المنهج عن سورية العربية سـواءً في القاعات المغلقة أو في المؤتمرات الصحفية أو في التصريحات التي تصدر عن مسؤولي الموقف السوري .

ثم تأتي هذه الخاصية الثالثة في الأداء الوطني السوري من خلال طاقة التحمّل و إمكانية الصبر على الآخر الذي يسعى لاستنفاذ كلّ هوامش الصبر في المفاوضات, و هذه الخاصية ليست مفتعلة و لا هي حالة تكتيكية لتستثمر في الحصول على مكاسب صغيره , إنها تنبعث من الإيمان العميق بوطن السلام و بسلام الوطن و في المقابل نذهب إلى البحث المتعسّف و المضني عن مقومات أو مواقف نستطيع من خلالها أن نحدد سلوك الطرف الآخر المتمثل بالمعارضة المسلحة و ممثليها في المنصّـات , و هنـا نـرى أن الصفـة الأولـى لهـذه المجموعـات هـي أنهـا ذات منشـأ غريـب و مريـب , و أن مسقـط رأسهـا السياسـي ومشـوار حياتهـا هـو عنـد الآخريـن وبالتالـي لا يحملـون مـن سمـات الوطـن السـوري إلا الادّعــاء بأنهـم أبنـاء هـذا الوطـن وأنهـم يقومـون بكـل هـذه المواكـب المظلمة سياسيـاً وفكريـاً وعسكريـاً من أجل الوطن السوريّ لكن هذه الحالة سرعان ما تتهالك و تتحول إلى ثرثرة و تنعكس في طريقة تعامل هذه الوفود الغريبة على الحوار السياسي وإن كان غير مباشـر ثـم نلاحـظ في استطراد ثان أن المنهجية المناسبة لهذه المعارضات إنما تقـع في منطقة التشنج والتلطّـي خلف الشعارات الهلامية  ومن ثم الذهاب إلى نسـق الشروط و الاشتراط وهذا ما يؤمّـن لهم نفسياً مهمّة الحضـور بدون فكـر أو منهـج أو قابلية للتعاطي مع الموقف الوطني و لو بشيء من اللباقة أو الكياسة أو الحـسّ المسؤول , و من هنا نرى بأن هذا التكوين في المعارضة إنما يقـوم على فكرتين اثنتين :

الفكـرة الأولـى أنهـم مالكـون للدنيـا و ما فيهـا و مـن فيهـا وهـم منتصـرون و أن كـلّ شــيء يحــدث فـي الداخـل السـوري أو فـي المحيـط إنمـا هـو مـن إنجازاتهـم و إعجازاتهـم  وهكــذا ينطلقــون مــن الوهــم والخـواء النفسـي و تظهـر عليهـم باستمـرار امارات مخجلـة  عبـر مـا يقولـون و عبـر مـا يسلكـون .

والفكرة الثانية تقوم أساساً في الأداء الوظيفي لهذه المعارضات و المصدر الرئيس لهـذه المهمة هـو مجموعـة قوى إمبريالية صهيونية رجعية قائمة خارج حدود الوطن ولذلك فإن هذه المعارضات ولدت و ما زالت تعيش خـارج حـدود الوطن و فـي صلب ما يظهر في الأفق أو فـي العمـق على هذه المعارضات نلمـح هذا التناقـض مـع حقائـق السـلام و التناقـض فيما بينهـم , إنهـم بهـذا المعنـى كاليهـود وقـد وصفهـم القـرآن الكريـم فـي قولـه : ” تحسبهـم جميعـاً وقلوبهـم شتـّى ” ، و بالمحصّلـة هـي مرحلـة حاسمـة فـي هـذا العالـم الـذي لـم يستقـرّ فيـه منـذ مئـات السنيـن سـوى العـدوان و المتاجـرة بالإنسـان .

 

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz