” الثقافـة الزائفـة والمثقفيـن المزيّفيـن “

بقلم :” محمد سعيد حمادة “.

يلخّص باسكال بونيفاس في كتابه “المثقفون المزيّفون”، الذي ترجمته “روز مخلوف ” بلغة جميلة محكمة، وجود مثقّفين مخادعين وأن هناك نوعين من المثقفين، مزيّفون ومرتزقة. المثقف المزيّف هو الذي “قد يؤمن بقضية لكنه يصنع عملة ثقافية مزوّرة كي يضمن انتصاره في سوق المعتقدات الراسخة”، لأنه يرى أن المتلقّي “غير ناضج لكشف وسائله غير الأمينة”  وما أكثر هذه النماذج اليوم، خصوصاً وأنها تعرف أنها غير معرّضة للمحاسبة على كيديّتها وتطاولها وإلقائها الكلام جزافاً. ولذا تراها تبحث عن الاختلاف في كلّ قضيّة أو أمر نائم لتعوّض وتجبر أناها المكسورة. هنا يتحوّل المثقّف المزيّف إلى مرتزق لا يؤمن بشيء سوى نفسه، فيتظاهر بأنه يؤمن بقضية، ليس لقناعته بصحتها  لأنه لم يدقّق أصلاً فيها، بل لأنها في تقديره واعدة وتردّ له مردوداً ما، وفي الوقت نفسه تسير مع اتجاه الريح السائدة.  ولهذا ليس الارتزاق أن يكون المثقف مرتبطاً بجهات خارجية فقط. فتضخّم الأنا يقود إلى وسائل لا أخلاقية  ومنها أن يتحوّل المثقّف المزيّف إلى شتّام لجزء من أبناء شعبه الذين يقاتلون دفاعاً عنه، فيخترع في كلّ مرّة سبباً للهجوم على أفكارهم ومعتقداتهم من أجل إظهار أناه، مستغلاً مبدئيتهم في عدم إثارة النعرات، مرضياً أناه المنتصرة المريضة ومتلطّياً في دفاعه عن قضية كبرى هي قضية الوطن، لقد تضخّم مرض المثقف المرتزق بوجود وسائل التواصل التي سمحت للكلّ إبداء رأيه في أيّ أمر كان. وهو الأمر الذي يأتي كعلاج لأمراض هذا المثقف، لأن السائد ذو غلبة وحائز على التصفيق أكثر، وهو ما يودي بالمثقّف وبالتالي بالمجتمع كلّه.

غالباً ما يحقّق المزيّفون “نصراً إعلاميًّـاً آنيـًّاً، ذلك أننا في مجتمعات لا تؤمن بالتخصّص وتحتقره، فكلّ من عرف القراءة والكتابة واطّلع يومـاً على مجلّة طبّيّة لا يتورّع عن إلقاء محاضرة للطبيب الذي يراجعه؛ فهو طبيب وخبير دستوريّ وإعلاميّ ومؤرّخ وناقد أدبيّ، ناهيك عن أن الشعب كلّه يفهم في الهندسة وضرورة توسيع الردهة أو تضييق المطبخ، وأخيراً، ونتيجة لظروف الحرب، تحوّل الأغلبية إلى خبراء عسكريين.

 ليست الأمثلة التي ضربها “بونيفاس” عن “خبراء الكذب” محصورة بـ ” برنارد لويس ” و ” برنار هنري ليفي” وتلامذتهم في كلّ الأصقاع، بل هم نموذج لمن يأخذ مقابلاً لتسويق فكرة يكون الجمهور مستعدًّاً لها سلفاً، فهم كثر وموجودون في كلّ الاتجاهات ويفقهون في شتّى العلوم، ما داموا غير مجبرين على التوثيق والرصانة العلمية ورأسمالهم طولة اللسان والوقاحة والشتيمة، وقد رأينا كيف مهّدت محطّة “الجزيرة” لمثل هذا النوع من الأحاديث  فيشتمها من هو ضدّها ويقوم بممارسة أساليبها، لأنها الأسهل في الوصول الإعلاميّ.

 الثقافة الزائفة ومثقّفوها مرضٌ ينتشر بسهولة، وهو مرض معدٍ بطرق كثيرة، غالباً ما تكون على طريقة إنكار المريض أنه حامل للفيروس.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz