” العـرب فـي لحظـة التصـادم ما بيـن المواقـع والمواقـف “

( بقلـم : د. أحمـد الحـاج علـي )

  • الجـذوة العربيـة ثابتـة فـي العمـق ولـن تمـوت تحـت الركـام .

  • السياسـة الأمريكيـة تاريخيـاً هـي مصـدر كـلّ شــر.

  • العروبـة قيـم وبنـاء وليسـت استعراضـات ودبكـات مهووسـة.

إن كلّ المواقف تنتج حالة من التآكل والتناقض ما لم تأتِ معبّرة عن حقائق ثابتة وعن مسؤوليات غير قابلة للتأويل والمتاجرة ، وواضح أن ما يلزمنا في الوطن العربي هو وضوح المنهج ورسوخ أطره وتطبيقاته حتى نتخلص من واقع الاستباحة لنحجز لذاتنا رؤية واحتراماً عند الآخرين، إن شكلانية الموقع على الطريقة (العربية البدوية) تحوّلت إلى قيود وأعباء، إذ ما هي قيمة الشكل الفاقع والاصطفاف اللامع إذا لم يكن ذلك كلّه مستقراً لقناعات موحّدة ودائمة وإن عدا عليها الزمـن الـذي يُتقـن فـنّ التلاعب فيـه المستعمر الخارجي وتتكدّس في ثناياه خبرة الغرب بشقيه الأوروبي والأمريكي في العدوان على العرب والاستهانـة بقضاياهم، والتعامل مع العرب وقضاياهم على أنهم كميّات بشريـة تسودهـا وتسوسهـا نظريّـة القطيـع والتي تعتمـد على الشكـل الفاقع والجوهر الضائع.

إن المسألة هي في مستوى المأساة من خلال ما تمرّ به القضايا العربية الآن، ويبدو أن لعبة المواقع قد انتشرت واستمرأها الكثير من الحكّام والشرائح والاتجاهات المحسوبة على الوجـود العربي وعلى المصير العربي في سياق واحد، لقد حدث الانفصال إلى درجة القطيعة بين الهويّـة العربيّـة وفي عمقها المصالح ومكوّنات الواقع وعلامات المصير المشترك وبين أنماط السلـوك السياسـيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ الذي غطّى بكل صفاقة وامتهان مساحة الحياة العربية الراهنة وكأنما يُصاب النظام السياسي العربي في هذه اللحظة الفارقة بانفصام الشخصية ولكن على المستوى الجماعي والرسمي وما حدث في مشهـد الرياض مؤخـراً يشكّـل صدمـة لم يتوقعها أحد، لا العرب المنشغلين بالاحتراب والاقتتال فيما بينهم والمصابين بلوثـة الهوس الذي طـوّح بهم وأخذهم إلى مجاهل التشظّـي والموت البطيء والاستسلام للأقدار المصنّعة القادمة على إيقاع (راع البقر) الأمريكي ومن يلوذ بأكنافه ويندمج في موكبه الدموي الأسود .

إن مثل هذا الحال المنتشر والسائد هو الذي يُنتج المأساة العربية الراهنة وهو الذي يُطلق إلى الواقع العربيّ أرتالاً من التزييف وأجيالاً من الاندفاعات المحمومة والملغومة والتي سوف تـودي بالحياة العربية كلّها إلى مهاوي الردى وعندها سوف يكون المصير العربي سقوطاً على الطريق وسقوطاً مدوّيـاً في نهاية الطريق، ولا يُخفف من هذا الواقع المرير سوى جـذوة قادمة من التاريخ ذاهبة إلى عالم متناقض لا مكان فيه إلا للأقوياء والأنقيـاء.

وهذه الجـذوة التي مازال يختزنها ويختزلها الإنسان العربي المحاصر والمكلوم تحتاج إلى قـوى دافعة ومناهج حامية ترسم ملامح الخروج من التيه العربيّ الراهن عبر الصحاري اللا متناهية إلى حيث الوجود الحـرّ والمتحـضّر والقـادر على التمييز بين الخير والشر بمعايير هذا العصر ، إنها اللحظة الحرجة التي تحدث فيها عملية تصادم المواقف بين الأطراف كلّها, وهذا يعني الوصول إلى حالـة التصادم العسكريّ والقتاليّ في الميادين التي تستوعب هذه الحقائق المنظورة واللحظة هذه تميّزت بظهور مسلكين على ساحـة الصراع , مسلك سياسيّ وعمليّ تدفع به الولايات المتحدة الأمريكية إلى حدود الوضوح الفاضح والصارخ, بما يؤكـد أن السياسة الأمريكية عادت إلى طبيعتها من حيث الرغبة في الهيمنة والاحتكام لقوّة السلاح الماديّ والبحث الدائم عن ذرائع وغطاء لكلّ ما تقوم به من تمهيد للعدوان في المنطقة, وأمريكا في هذه اللحظة تتاجر بالأشقاء الأكراد , وتدّعي أنها حاضرة في الجغرافيا السوريّـة , لحجز الاعتداءات التركيّة عليهم ولمعاونتهم في طرد داعش من الرقة وما حولها , وتركيا أردوغان كذلك تناور وتداور وتعتدي على السيادة السوريّـة, ووسيلة الخداع  لديها هي أنها تقوم بالتصدّي لإرهاب داعش وجبهة النصرة .

وفي ذات السياق نرى ونتابع الدعم السعودي العسكري والمالي والإعلامي لتنظيمات الإرهاب التابعة لآل سعود وكذلك يقوم آل ثاني بذات الدور في دعم ممتلكاتهم عبر ما يسمّى فيلق الرحمن في الغوطة الشرقيّة , إن جميع هذه القوى العالمية والإقليمية والعربية قد عادت لمشروعها الأساسيّ القائم على تدميـر الوطن السوريّ والعمل على تقسيمه على قدر ما يطمح إليه العدو الصهيوني, وما يُناسب هذا العدو في الجغرافيا المحيطة به , أو المتصلة ولو بالحدود الدنيا في مسائل الصراع العربي الصهيوني.

وفي المقلب المجاور للقوى الحاضنة مباشرة نتابع ويتابع العالم معنا سلوك التنظيمات الإرهابية, والتي ما تزال تسفك الدم السوريّ وهي مهزومة استمراراً لذات المنطق الذي بُنيت عليه , واستقرّت على منافذه ومارست دورها في السنوات الصعبة الماضية, هكذا تفرض الخريطة السياسية والعسكرية نفسها الآن , إنهم جميعاً يعودون إلى الاصطفاف الأول على الموقف الأول , ولا يوجد ما يُشير إلى تغيّـر ولو كان نسبياً في مواقف قائمة الأعداء, بل لا يوجـد ما يسمح بأن يستنتج المعنيـوّن في الصراع الإرهابـي على سوريا بأن هناك رغبة أو قابلية للحلّ السياسيّ ومقتضيات هذا الحلّ عبر الهويّة السوريّـة نفسها والديمقراطيّة السوريّـة ذاتها والمصلحة السوريّـة عينها لا يوجد مؤشـر واحد يُسعف المحلل السياسي أو المتابـع أو الناشـط بأن هناك إمكانية لاستبدال الحرب بالحوار والعمل السياسي .

إن اللوحة الوحيدة المثبتة في الأفق وعلى الأرض هي التي يقع في إطارها موقف الدولة السوريّـة وموقف روسيا الاتحادية الصديقة وموقف إيران الشقيقة وموقف المقاومة الوطنية في لبنان وفي كلّ الأرض العربيّـة ، هذا الموقف يقـع فـي صلبـه، وفي تصانيف متنـه وعلى امتداد عناوينه وفقراته كلّ هـذا المـدى مـن الإيمان بالحلّ السياسي للصراع وبالتشاركية الوطنية للدخول في متطلبات هذا الحلّ.

وواضح تماماً أن ذلك يعني في الأساس استكمال قوّة الرد والردع للمشروع الإرهابي وفتح الآفـاق أمام كلّ مبادرة إقليمية أو عالمية تنطلق من الحلّ السياسي أو تقدّم له خدمة فكرية وموقفية يمكن لها أن تنتج العوامل المشتركة وإن كانت في الحد الأدنى وشعار القائمة المشروعة بوجودها ومنهجها هو أننا نقاتل بشرف ووضوح ونفاوض بشرف ووضوح.

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الآن وفي عمق لحظة التصادم الكليّ بين الإرادات والمواقف نجـد أن القوى المعادية تغذي نزعة سفـك الدم وتدفع بالأحداث كلّها إلى المنطقة الحرجة حتى ولو كـان ذلك يتمثـل فـي العـدوان الأمريكـي المباشـر على سوريـة وفـي العـدوان الصهيونـي المباشر على سورية وفي العدوان التركي المباشر على سورية والهدف من ذلك كله ثلاثي الأبعاد فهذه القوى تعبّر عن مشروعها وعن ذاتها وهي تهرع مذعورة متخابطة في لحظة هزائم قوى الإرهاب في الداخل السوري وتسعى لقطع هذه السلسلة من الانتصارات بعنوان واضح ومتداول في كلّ العالم وهو أن الأصيل دخل الحرب على سورية بديلاً عن الوكيل أو ظهيراً شامل الأبعاد له في هذه اللحظة الحرجة من عمر الصراع ، وهنا لا يقيم المعتدون أي وزن لمنطق العدل والمشروعية ولحقوق الإنسان وسيادة الأوطان وشرعة الأمم المتحدة، وهذه خاصيّة لطالما امتلكها المستعمر في كلّ  مراحل التاريخ القديم والحديث ذلك أن اللحظة الراهنة تبدو حاسمة في ذاتها وفي التحولات التي تنتج عنها .

وبهذا المعنى فإن ثمّـة إعادة تشكيل شامل وكامل لمنهج القوى المعتدية, ولدور الأطراف المنتسبة لهذا المنهج ولاسيّما من خلال علاقة الخارج الأجنبيّ بالداخل السوريّ , وهذا الاتجاه هو استدارة عميقة نحو الأصل الاستعماري الإرهابي الرجعي , وقد صارت الخبرة والنتائج كافية لكي يعتقد المعتدون بأن مشروعهم قد انكفأ وانكسر , وما عاد أمامهم سوى إعادة النظر بهذا المشروع وفي صلبه أو عناوينه الكبرى التدخل العسكري المباشر في العدوان على سوريا كما هو الحال في الدور الأمريكي والإسرائيلي والتركي وإعادة النظر هذه تطلبّت أيضاً, أن يُفتح المدى من جديد أمام همجية وخيانة الأنظمة العربية في السعودية وقطر والأردن , وهذا ما تبدو ملامحه الأساسيّة قائمة في الجنوب السوريّ , وبحثاً عن اكتمال المشروع العدوانيّ تأتي قصـة السلاح الكيماوي وما دبّـروا من خلاله الذرائع والتمهيد الخادع , لكي يغطـوا اشتراكهم الفعليّ والمباشر في العدوان على سوريا , ونعود للأصل إنها لحظة تصادم الإرادات والمواقف.

 

 

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz