” الولايات المتحدة … سياسات المشروع الاستعماري الدائم “

  بقلـم : ( د. أحمـد الحـاج علـي ).

 

  • الفكـر الاستعماري هـو المصـدر الأساس للسياسـة الأمريكيـة.

  • فـي أمريكـا سياسـات ثابتـة … و سياسيـون متحرّكـون.

  • نظـرة أمريكـا للعـرب باعتبارهـم كمّيـات بشريّـة غيـر مؤهلّـة للحيـاة.

لماذا سوريـة ؟

هنري كيسنجر” ثعلب الماسونية يخاطب العالم … من هي سوريـة ؟

في مقابلة مع صحيفة ” نيويوركر ” الأمريكية قال : لقد اعتقدنا أن حافـظ الأسـد قـد قضـى على جميع الأغبياء في بلاده ولكن لحسن حظنا ما يزال هناك ( 3 ) مليون منهم , هل تعتقدون أننا أقمنا الثورات في تونس وليبيا ومصر لعيون العرب؟ يضحك ساخراً بعدها ويقول كلّ ذلك لأجل عينيّ إيران وسوريا ..لقد حاولت مع حافظ الأسد وأنا أعترف أنه الشخص الوحيد الذي هزمني وقهرني في حياتي كلها ..

ثم يتابع و يقول : ثورة سوريا ومنذ آب ( 2011 ) حرب عالمية ثالثة هي باردة حالياً ولكنها ستسخن بعد عدّة شهور .

وهنـا يعلّـق الصحفـي ويسـأل بلهفـة : مـن هـم المتحاربـون ؟ فيقـول كيسنجـر : الصيـن و روسيـا والهنـد مـن جهـة ومـن جهـة أخـرى نحـن وحلفاؤنـا ..

يعود الصحفي ليسأل : لماذا سوريا بالتحديد؟ يقول: سوريا الآن مركز الإسلام المعتدل في العالم وهو ذات الإسلام الذي كان على وشك  الانتصار في (1973) لولا أخينا السادات ( وللعلم بالماسونية فكلمة أخينا تعني أن السادات ماسوني ) .

يتابع ويقول : وسوريـا في نفـس الوقـت مركـز المسيحيـة العالميـة ولابــدّ مـن تدميـر مئـات البنـى العمرانيـة المسيحيـة و تهجيـر المسيحيين منهـا وهنـا لــبّ الصـراع مـع موسكـو , فروسيـا و أوروبـا الشرقيـة تديـن بالأرثوذوكسية وهـي تابعـة دينيـاً لسوريـا وهـذا ســرّ مـن أسـرار روسيـا وسوريـا بالتالـي (فإخواننا العـرب) لـو رشـوا روسيـا بكـل نفطهـم لـن يستطيعـوا فعـل شـيء.

يقاطع الصحفي كيسنجر ويقول : هنا فهمنا وضع روسيا … ماذا عن الصين و الهند ؟

يقول كيسنجـر: أكيد أنك سمعت بهولاكو وكيف أنه احتلّ أكثر من نصف آسيا ولكنه انهزم  عند أبواب دمشق , هنا الصين تفعل العكس , فبلاد الشرق من المحيط الهادي حتى المتوسط مترابطة مع بعضها كأحجار الدومينو , لقد حرّكنا أفغانستان فأثّـر ذلك على الصين فما بالك بسوريا ؟

ويمكن لك أن تلاحظ أن الهند والصين والباكستان دول متنافسة متناحرة فيما بينها ، ولكن من يرى مناقشات مجلس الأمن حول سوريا يظنها دولة واحدة بخطاباتها وتصرفـات مندوبيها وإصرارهم على الترحيب بالجعفري أكثر من مرة رغم أنه مندوب سوريا الدائم وعدم مجـرّد تذكّـر وجـود قطـر أو العربي في الجلسة.

يقول الصحفي: ما الحلّ مع سوريا إذن؟

يقول كيسنجر: ما من حلّ , فإما ضرب سوريا بالصواريخ الذرية وهذا مستحيل لأن إسرائيل موجودة .

يقول الصحفي: لماذا لم تحتلوا سوريا من قبل ؟

قال كيسنجر: بسبب غباء نيكسون … ، يعود كيسنجر ليقول : أما الحلّ الآخر الوحيد فهو إحـراق سوريا من الداخل  وهو ما يحدث الآن , لقد قرأت ” والكلام لكيسنجر” عن سوريا كثيراً , سوريا فقيرة الموارد الأحفورية و فقيرة المياه ما يثير استغرابي كيف استطاع السوريون بناء هذه البنية التحتية العملاقة بالمقارنة مع مواردهم

انظر إليهم , الطبابة مجانية والتعليم شبه مجاني , مخزونهم من القمح يكفي (5) سنوات ولكن أكثر ما أثار دهشتي تلاحم جيشهم , و ما لدينا من معطيات عمّـن انشق أو هرب منه لا يزيد عن (1500) جندي من أصل (500) ألف , أنا لا أعرف كيف لهذا الشعب أن يكون موحّـداً وهو مكـوّن من (40) عرق وطائفة

السياسة الأمريكية ثابتة في خطوطها العامة وأولويات تطبيقاتها ولا سيّما باتجاه المنطقة العربية وقضايا العرب, هذه مسألة تاريخية فالسياسيون الأمريكيون يتناوبون على برامج هذه السياسات الثابتة و ما تبقى لهم هو الميزات الذاتية والعلامات الفارقة والتي لا تؤهّـل أي رئيس أمريكي كي يخرج عن الخطوط العامة و الثابتة, و منذ ” ترومن ” في الخمسينيات وهو الرئيس الأمريكي الوازن إلى ” دونالد ترامب ” الرئيس الحالي وهو صاحب الشخصية المزاجية والمتبدلة فإن خطوط السياسة الأمريكية اتجاهنا لم ينلها أي تغيير ولا سيّما في بنودها الثلاثة التاليـة:

1) في السياسـات الأمريكيـة جميعهـا ومع تنـاوب الرؤسـاء الأمريكييـن علـى الحكـم ســواءً كان الأمـر يخــصّ الحـزب الجمهـوري أو الديمقـراطي , فـي كـلّ ذلك يتقـدّم البنـد الأول وهـو الـذي ينــصّ علـى أن الحفـاظ علـى أمـن و رفاهيـة (إسرائيل) هـي مسؤوليـة أمنيـة قوميـة أمريكيـة ولا يـجوز المسـاس بمصلحـة الكيـان الإسرائيلـي , قـد تحـدث نقـاط تمـاس بعضهـا تقاطـع وبعضهـا الآخـر تناقـض ولكـن ذلك كلـه لا يخـرج عـن كونـه تنويعـات و استطـالات تمليهـا طبيعـة كـلّ مرحلـة وسرعـان مـا يعـود كـلّ شـيء إلى أصلـه و إلـى مجـراه و تطبيقاتـه العسكريـة و الاقتصاديـة و السياسيـة, بـل إن كـلّ محطـة تضفـي علـى مـا بعدهـا خبـرة جديـدة و مـواد جديـدة .

2) إن الوطـن العربـي فـي المنظـور السياسـي الأمريكـي الثابـت تاريخيـاً و المتـداول بكونـه الناظـم والحاكـم لهـذه السياسـة الأمريكيـة هـو أن هـذا الوطـن العربـي مجـرّد مساحـات جغرافيـة تختـزل الثـروة والطاقـة التـي لا يحتاجهـا العـرب إلا للاستهلاك بينمـا هـي حاجـة عضويـة للولايـات المتحـدة وهـذا مـا يطلقـون عليـه مصطلـح ( الخلل الجيولوجـي ) الـذي لا بــدّ مـن إصـلاحه و تعديلـه.

أي أن الثروة و الطاقة العربية وجدت بطريقة أخطاء الطبيعة هنا وكان لا بـد ّمن ترحيل هذه الطاقة إلى آلة الصناعة والحرب وتكنولوجيا الولايات المتحدة .

إن الوطن العربي هو حدائـق خلفية بنظر الأمريكان وملايين السكان العرب هم كميات بشريّـة ليس لها من وظيفة سوى التبعية لأمريكا , وتلقي الأوامر والتوجيهات منها  وانتظار اللحظات التاريخية التي تدفع بالمسؤول الأمريكي إلى ( تشريف ) الوطن العربي .

وهنـا يبـدع الحكـام العـرب كما تابـع العالـم المشهـد في زيـارة ترامـب إلـى السعوديـة , يبدعـون ومعهـم حكـام العالـم الإسلامـي فـي إنجـاز لوحـات الترحيـب وإغـداق الهدايـا بملايين الـدولارات على الضيـف الأمريكـي وتجديـد ( بيعـة ) العبوديـة للولايات المتحدة الأمريكية إلى زمـن يمتـد إلى عشـرات السنـوات وإلى أفـق لا حدود لــه حتى ولـو بلـغ (500) مليـار دولار أمريكي .

لقـد أذهـل الحكّـام العـرب والمسلمين العالـم بأريحيتهـم فـي تبديـد الثـروة و إزهـاق مـاء الوجـه وتعطيـل طاقـة العقـل في هـذا الـذي قدّمـوه لترامـب القـادم مـن أمريكـا و العابـر إلى الكيـان الصهيونـي والمستقـرّ في نظرتـه التي تقـوم على ازدراء الحكـام العـرب وعلى إلقـاء القبـض وإحكـام القبضـة علـى قضايـا العـرب .

3) وللسياسة الأمريكية ألاعيبها و خياراتها القائمة على احتقار الآخر والاستبداد بالرأي والتطلّع الدائم إلى التدخل في أي بقعة من العالم ما دام هذا العالم لا يجيد سوى الرقص والترحيب و دبكة السيوف وميلان الأجساد المنكوبة والرؤوس المتخمة بالغباء وتقبيل يـد الجـلاد.

ومن هنا فإن الثوابت الأمريكية بالنظرة للعرب هي مستقرة في منطقها ولكنها متبدلة متناوبة في آليات تطبيقها وبصورة أساسية إن الولايات المتحدة الأمريكية تقاتل بالعرب حتى آخر بدوي منهم وتنفق من المال العربي المكدّس والمستخرج حتى آخر ريال سعودي أو قطري .

إن الولايات المتحدة بذلك تتقـن فـنّ الحـرب بالآخريـن بحيث لا تخسـر جندياً واحـداً ولا تدفـع دولاراً واحداً , لعلّها سمة العصـر الراهن وعلامته الفارقة وما دام السقوط ( العربي – الإسلامي ) إلى هذه الدرجة من الخدر والهذيان والانحطاط فإن السيد الأمريكي سوف يندفع أكثر ويهين الأنظمة العربية أكثر ما دام الحكام العرب قد أدمنوا فعل السقوط والارتهان للأجنبي والتسبيح بحمد القاتل و اللص الكاذب.

وهـا نحن الآن نتابع المشهد في منطقتنا بل على الأرض السوريّـة نفسها الأمريكان يحضرون غزاة معتدين بذاتهم و بمن سخّـروه من العرب في الأردن وفي السعودية وفي دول الخليج جميعها .

وتستفيض السياسة الأمريكية لتبسـط منهجها الأسود على الأشقاء الأكراد فترى فيهم أذرعـة لتنفيذ مآربها ولهم وظيفة سياسية هي أن يتلقوا من أمريكا ، الأمـر و السـلاح و المـال ثـم يدفعـون في الأرض السوريّـة تحت ذرائع و حجج مكافحة الإرهاب و طـرد داعش من الرقة و من الشريـط الحدودي مع تركيا , والتسميات جاهزة و ملغومة مثل قـوات سوريـة الديمقراطيـة , و قوات حمايـة الشعب الكردي و فصائل أخرى تتناقض تارة و تأتلف تارة أخرى.

في كلّ هذا الهوس العربي الرسمي و الكردي لا بـدّ أن تندفع لحظة الصحوة على الذات عبر وخز الوجـدان و استشراف ملامح الخطر القادم , فهل بإمكاننا من هذا المناخ القاتم ( مناخ الطـوز ) المعروف في منطقة الخليـج و الممتـد إلى باديـة الشـام , هـل بإمكـان العـرب و الأكراد الطيبين أن يتخلصوا مـن لوثـة الانتمـاء للأجنبـي والعودة إلى حاضنة التاريخ ومصـدر الحضارة و موكـب الكرامـة والتقـدّم في الوطـن السـوري الملاذ الآمن للجميع.

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz