القائد الخالد حافظ الأسد

قائد تاريخي قاد سوريا لمدة ثلاثين عاماً بحنكة قل ّ نظيرها , وسط تعقيدات ومصاعب يصعب تلخيصها كان إنساناً وقائداً تاريخه الناصع رفعه إلى مصاف أكبر زعماء العالم , ورمزاً عظيماً للأجيال التي سكن وجدانها .

بادل الشعب الحب بالحب والوفاء بالوفاء فدخل التاريخ من أوسع أبوابه وأصبحت عبارة ” باني سورية الحديثة ” لازمة لاسمه , إنه القائد الخالد حافظ الأسد .

ولد القائد الخالد في 6/10/1930 في قرية القرداحة الجبلية , من بيئة ريفية كادحة وفي أسرة قارعت الإحتلال العثماني ومن بعده الفرنسي .

تلقى تعليمه الابتدائي في قرية القرداحة , وفي الأربعينيات انتقل إلى مدينة اللاذقية لإتمام دراسته الإعدادية والثانوية حيث تبلور وعيه السياسي وساهم في التظاهرات الطلابية المعادية للاحتلال الفرنسي . وانتخب في لجنة طلاب محافظة اللاذقية وتخرّج من ثانوية جول جمال في اللاذقية بعد حصوله على الشهادة الثانوية – الفرع العلمي.

انتسب إلى حزب البعث العربي الاشتراكي عام /1946/ وناضل في صفوفه , وفي عام /1952/ تطوع في الكلية العسكرية الجوية وتخرج منها برتبة ملازم طيار عام /1955/, ثم اتبع دورات عسكرية وأوفد ببعثات دراسة خارج القطر واجتاز بدرجة امتياز دورة قائد سرب عام /1959/ ودورة أركان حرب عام /1964/ .

كان له دوراً بارزاً في قيام ثورة الثامن من آذار عام /1963/ , كما قام بدور بارز في إنجاز حركة /23/ شباط عام /1966/ التي أعادت الحزب إلى جماهيره .

شغل القائد الخالد مناصب رئيسية في قيادة الحزب منذ قيام ثورة البعث في الثامن من آذار وتدّرج في المناصب القيادية السياسية والحزبية والعسكرية فتسلّم : قائد سرب جوي – قائد لواء جوي – قائد قاعدة جوية – قائد القوى الجوية والدفاع الجوي – ثم وزيراً للدفاع عام /1966/ ورقّي إلى رتبة فريق جوي عام /1968/ .

وفي السادس عشر من تشرين الثاني عام /1970/ قاد الحركة التصحيحية وتولّى منصب رئيس الوزراء . ووزير الدفاع في /21/ تشرين الثاني عام /1970/ .ثم انتخب رئيساً للجمهورية العربية السورية في /12/ آذار عام /1971/ بإجماع شعبي.

وفي 14/5/ 1971اجتمعت القيادة القطرية المؤقتة , وانتُخب القائد الخالد أميناً قطرياً للحزب وفي شهر آب /1971/ انتُخب أميناً عاماً لحزب البعث العربي الاشتراكي بالإجماع .

المنجزات السياسية الخارجية السورية في عصر القائد الخالد على الصعيد القومي لا تـنفصل عن المنجزات العامة التي حققتها سوريا في عهد التصحيح المجيد على الصعد العربية والدولية , لأن أي إنجاز سوري دولي هو في الوقت ذاته إنجاز قومي يعود على العرب جميعهم.

وقد استطاع القائد الخالد أن يسد الفراغ القومي , فاضطلعت سورية بهذه المهمة النبيلة والمقدسة وبرزت عظمة القائد الخالد من خلال مواجهته الدائمة لكل التحديات الصهيونية التي استهدفت المنطقة على الدوام , واستطاع بمنتهى الحرص المستند إلى أخلاق قومية عربية أصيلة وإلى حس وطني عالٍ أن يرسم مقومات مواجهة كل التحديات بإسلوب عمل سياسي امتزجت فيه البراعة بالحنكة السياسية , وهذا ما اعترف به العدو وشهد به الصديق .

حيث استطاعت سورية الدولة الصغيرة من حيث المساحة وعدد السكان والإمكانيات الإقتصادية مقارنة مع الدول العظمى أن تصبح عملاقة بقائدها وسياستها الجريئة والحكيمة .

لقد كرست سياسة القائد الخالد حافظ الأسد داخلياً وخارجياً صورة مشرقة وجديدة لسورية بكل معنى الكلمة .فعلى الصعيد الوطني انتهج القائد الخالد مساراً وطنياً عنوانه البناء و الإعمار والتطوير في كل المجالات لبناء الأرضية المناسبة للمواقف الصلبة التي اتخذتها سوريا في مواجهة أصعب التحديات وأعقد المتغيرات , فتواصل البناء وارتقى العمل في شتى ميادين الحياة الإقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والثقافية والتعليمية والصحية وانعكس ذلك إيجاباً على مختلف أوجه الحياة وعلى جميع المستويات .

وعلى الصعيد العربي أصبحت سورية الخندق المدافع عن حاضر الأمة العربية ومستقبلها انطلاقاً من إدراك القائد الخالد لضخامة ما تتعرض له الأمة من هجمات يشنها أعداؤها وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني وبدعم مطلق من الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من القوى الفاعلة على الساحة الدولية.

وعلى الصعيد العالمي اكتسبت سورية في ظل القائد الخالد مكانة مرموقة سماتها الأساسية الإلتزام بالمبادئ وبالشرعية الدولية وعدم التنازل عن الحقوق المشروعة والدفاع عنها بقوة وصلابة .

لقد أرسى القائد الخالد دعائم نهج التصحيح فكراً وممارسة ووضع تحرير الأرض العربية المحتلة واستعادة الحقوق المغتصبة والحفاظ على العزة القومية والكرامة غاية أسمى وهدفاً أغلى ، مبيناً أن العمل لتحقيق هذا الهدف لن يتحقق إلا ببناء مجتمع متماسك تجمع أبناؤه وحدة وطنية منيعة تؤسس لإرساء نهضة شاملة شهدتها سوريا عبر محطات مضيئة  فكان الدستور ومجلس الشعب وقانون الإدارة المحلية والجبهة الوطنية التقدمية وإعادة بناء القوات المسلحة وخوض حرب تشرين التحريرية عام /1973/ التي اعتبرت بمختلف المقاييس الصفحة الأنصع في تاريخ العرب الحديث , إذ أعادت ثقة الإنسان العربي بنفسه وأودت بإسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر وكذلك الدعم المطلق الذي قدّمه القائد الخالد حافظ الأسد للقطر اللبناني الشقيق من إيقاف الحرب الأهلية إلى دعم المقاومة الوطنية اللبنانية التي توجت بتضحياتها برؤية الجنوب اللبناني محرراً في أيار عام /2000/ .

أما على صعيد الشهادة والشهداء فقد كانت سورية بقيادة القائد الخالد حافظ الأسد من الدول المتفرّدة في إعطاء الشهادة ومفهومها الحقيقي بما أولته من اهتمام بأسر الشهداء من خلال العطاءات الكبيرة والمتواصلة لذوي الشهداء في المجالات كافة , فقد وضع القائد الخالد الشهادة والشهداء في المقام الأول وكان صاحب أهم مدرسة نضالية في العالم بتكريمه لمن قال فيهم إنهم “أكرم من في الدنيا وأنبل بني البشر “.

وكان القائد الخالد أباً لكل أبناء الشهداء بنين وبنات , وكانت اهتماماته بأدق التفاصيل في حياتهم مصدر ثقة وفخر لهم ولنا جميعاً . إن التاريخ لا تصنعه المصادفة بل يصنعه الرجال الأفذاذ , والقائد الخالد حافظ الأسد واحد من أبرزهم , إذ لم يذعن لشروط النظام العالمي الجديد ولا لإملاءاته بل بقي محافظاً على مبادئه حتى آخر دقيقة في حياته , جاعلاً من سورية رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في المعادلات التي تصنع للسياسات الإقليمية والدولية .

وشهادات قادة العالم وزعمائه خير برهان على عظمة ما قام به القائد الخالد بشعبه وأمته , حيث لم يحظَ قائد عالمي في النصف الثاني من القرن العشرين بمثل الإهتمام الفائق والإعجاب الشديد الذي حُظي به القائد الخالد , فهو بحق من أعظم زعماء العالم وقادته بلا استثناء , وعظمة القائد الخالد لم تقتصر على مواقفه في الدفاع عن مصالح بلده والذود عن قضايا أمته بل امتدت للدفاع عن الإنسان في كل مكان , لأنه آمن بالإنسان قيمة عليا وهدفاً أسمى .

 ولعل ما قاله الرئيس الأمريكي الأسبق / بيل كلينتون / تؤكد المكانة الكبيرة التي شغلها القائد الخالد على مستوى العالم حيث قال :”هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أحس أنني وضعت يدي بيد رئيس , لقد أحسست بشعور لا يوصف عندما سلّمت عليه , وعندما نظرت في وجهه رأيت التاريخ كله والعنفوان كله , في تلك اللحظات بالذات حمدت الله على أنه ليس رئيساً لدولة كبيرة , لأنه كان عند ذلك سيحكم العالم من دون منازع “.

إن سورية التي لبست ثوب الحداد لرحيل قائدها الكبير في العاشر من حزيران عام /2000/ أكدت بوفائها لما آمن به ودافع عنه , إنه باقٍ في قلوب الشعب السوري بل الشعب العربي من خلال الإرث الكبير الذي تركه .. بقيمه ومواقفه , فالنهج مستمر بثقة واقتدار وتصميم على بلوغ شاطئ الأمن والسلام بقيادة السيد الرئيس بشار حافظ الأسد .

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz