واشنطن تحاول فرض مفهـوم: الغزو أولاً والتحقيق لاحقاً

أثارت التهديدات التي وجهها  البيت الأبيض لسورية مؤخراً الكثير من الاضطراب والقلق حول العالم.. ومن حق العالم أن يقلق.. فنحن أمام قوة لا تتورّع عن استخدام القوة المفرطة مهما كانت العواقب، أن  يخرج البيت الأبيض باتهامات  افتراضية دون أدنى دليل  ليس أمراً جديداً. لكنه  مثير للقلق ولا يجوز التهاون به أو التقليل من شأنه لما ينطوي عليه من مخاطر.

صحيح أن هذه ليست هي المرة الأولى التي يتم بها توجيه مزاعم كاذبة لتبرير حروب غير قابلة للتبرير، فقد عهدنا مثل هذا السلوك الذي أصبح نمطاً سائداً  في سلوك الإدارات الأمريكية المتعاقبة كلما أرادت استعراض عضلاتها العسكرية أو أرادت  التدخل عسكرياً مباشرة في أيّ منطقة من مناطق العالم.

لكن الجديد هو محاولة الولايات المتحدة فرض روايتها الزائفة التي قامت بترويجها عبر وسائل إعلامها والقول بأنها صحيحة.. أيّ على عكس ما حصل في العراق عندما اعترفت الولايات المتحدة بأنها لم تعثر على أسلحة الدمار الشامل المزعومة, تريد الآن أن تثبت أن جميع مزاعمها صحيحة بالرغم من كل الأدلة التي تثبت عكس ذلك.

في السابع من شهر نيسان الماضي عام 2017,  منحت إدارة الرئيس ترامب التفويض بإطلاق  (59) صاروخ توماهوك على قاعدة الشعيرات السورية وسط البلاد وذلك في انتهاك واضح وصريح  للسيادة السورية  وللقانون الدولي ولمزاعم  محاربة الإرهاب، ولتبرير ما لا يمكن تبريره, ادعت الولايات المتحدة بأن هذه الضربات الصاروخية هي بمثابة ردّ على هجوم كيماوي مزعوم لم تثبت صحّته ونسبته إلى الحكومة السورية دون أي دليل أو برهان.

ثم اتخذت وبشكل أحادي ما شاء لها من فعل بناءً على ذلك. أي أنها تصرفت كما لو كانت المدّعي والقاضي وجهاز إنفاذ القانون في آن.

بكلمة أخرى, ارتكبت الولايات المتحدة فعل العدوان المباشر ضد دولة مسالمة ذات سيادة لا تشكل أي تهديد للولايات المتحدة ولم تتسبب بأي ضرر لها بناء على إدعاءات لم تكن تملك أي دليل على صحّتها ساعة وقوع العدوان كما لم يتم إثباتها حتى الآن أي حتى بعد مضيّ عدّة أشهر على ذلك التاريخ..

في ذلك الوقت, قال الرئيس ترامب أنه تصرف على هذا النحو بعد أن تأثر بصور عذابات الأبرياء بما في ذلك الأطفال الصغار الحلوين الذين زعم أنهم كانوا عرضة لذلك الهجوم الذي لم يتم التحقق من  صحّته، لكن الرئيس ترامب وإعلامه لم يذكر أبداً أن  صواريخ التوماهوك التي أطلقها بصورة غير شرعية قد تسبّبت بمقتل مدنيين سوريين أبرياء  بمن فيهم  “أطفال حلوين”. لكنه لم يشعر بالأسى على هؤلاء..

بل أكثر من ذلك قال وبطريقة فجّة وغير مقبولة أن الصواريخ أطلقت على سورية بينما كان يستمتع بأطيب قطعة كيك شوكولا.. فأي “إنسانية”  هذه؟؟ أي أنه كان يرتكب جريمة أخرى ضد  المدنيين السوريين بناءً على مزاعم غير صحيحة.. بل وقبل أن تقوم أية جهة مخوّلة بفتح تحقيق جدّي حول الموضوع للتأكد من ملابساته.

المقلق في هذا كله هو أن واشنطن تريد أن تفرض وبالقوة قانوناً جديداً مفاده : نقوم بالغزو أولاً ونحقق بالأمر لاحقاً.. أي أن  المتهم مُدان قبل أن تبدأ المحاكمة.. وبموجب هذا المعيار الجديد  تحاول الولايات المتحدة أن تحتكر لنفسها الحق الحصري غير القابل للنقاش بالتدخل عسكرياً في أي منطقة من بقاع العالم متى شاءت وأينما رأت ذلك مناسبا لها دون أن يحق لأحد مساءلتها..

السؤال الآخر الذي  يستحق الطرح هو: لماذا اختارت الولايات المتحدة تهمة “الهجوم الكيماوي” بالتحديد وليس أية تهمة أخرى.. الواقع أن تاريخ الولايات المتحدة وحروبها المتكررة لا يترك مجالاً للرأي العام مهما كان ساذجاً بأن يصدّق أن دولة صغيرة نسبياً مثل سورية يمكن أن تشكل تهديداً للولايات المتحدة.

كما أن القسوة المفرطة التي أبدتها الولايات المتحدة في حروبها عبر العالم ما تزال ماثلة في الأذهان ممّا يجعل ادعاءاتها بالحرص على أرواح المدنيين سواءً كانوا أبرياء أو غير ذلك أمراً لا يقبل التصديق. لذا اختارت الولايات المتحدة موضوعاً يثير مشاعر الهلع والصدمة بحيث تحرّك المشاعر الانفعالية بدل التفكير العقلاني ..

ولا شيء مثل كلمة الكيماوي يمكن أن تثير كلّ هذا القدر من المشاعر الصادمة وخاصة بعدما اشتغل الإعلام على هذا الجانب طويلاً.. وبعد ما صارت تثيره الكلمة من صور مأساوية في نفوس الناس..

لكن هذا الاستغلال السيء لمشاعر الناس وتعاطفهم أمر في غاية البشاعة وينبغي أن يثير الكثير من الاستياء والرفض. بل أكثر من ذلك, ينبغي أن يعتبره الرأي العام بمثابة اعتداء على الكرامة البشرية في القرن الحادي والعشرين.

فالولايات المتحدة تريدنا أن نصدق أن قتل الأطفال الأبرياء بالقنابل الأمريكية أمر جائز ومبرر ولكنه غير مقبول  فقط عندما يتم على أيدي الآخرين ..

هذا المنطق المشوّه يصعب قبوله..فالسوريون المدنيون, بمن فيهم الأطفال, الذين قتلوا نتيجة الضربات الصاروخية الأمريكية لا علاقة لهم البتة بكل ما يجري .. ولا صلة لهم من قريب أو بعيد بكل ادعاءات إدارة ترامب ووسائل الإعلام التي رحبت بالضربة ..

هؤلاء أناس عاديون يحاولون أن يعيشوا حياتهم الطبيعية فبأي ذنب تم استهدافهم؟ الحقيقة هي أنهم كانوا ضحية هذا المنطق المقلوب الذي يحاول مروّجو الحروب  تعميمه ، ولو كان هناك قانون في هذا العالم لتمّت محاسبة إدارة ترامب على خلفية مسؤوليتها حول هذه الأرواح التي زُهقت دون وجه حق.

لنتذكر أن الولايات المتحدة ليست طرفاً محايداً في هذه الحرب. بل هي في واقع الأمر, بمثابة قوة غازية تحاول أن تقيم قواعد عسكرية غير قانونية على الأرض السورية. مثل هذه الأفعال هي بمثابة انتهاك واضح وصريح للسيادة السورية وللقانون الدولي وللحرب المزعومة على الإرهاب.

وخلال  السنوات القليلة الماضية من تاريخ انخراطها في الحرب العدوانية على سورية, استخدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها في التحالف  ذخائر اليورانيوم المنضّب والفوسفور الأبيض في أكثر من منطقة من مناطق عملياتهم. هذه المواد شديدة السمّية وتترك أثرها الضار في البيئة لسنين طويلة جداً.. وبالتالي من المفترض أن تتم محاسبة واشنطن وحلفائها ومقاضاتهم قانونياً على تسميم الأرض السورية بذخائرهم المحرّمة دولياً.

تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها اليوم التأثير على نتائج التقرير المتوقع صدوره عن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية على أمل أن يكون في التقرير ما يدين سورية أو أن يكون في أقل الاحتمالات ضبابياً بحيث يمكن استغلاله إعلامياً لتصديق الرواية الأمريكية السابقة.

لكن جميع المنخرطين في مثل هذه المحاولة اليائسة ينسون أمراً جوهرياً ينبغي أن يكون واضحاً للجميع وهو أن شيئاً في الدنيا لا يبرر العمل العدواني الصريح الذي قامت به الولايات المتحدة ضد سورية في السابع من نيسان عام 2017 لأنه أياً كانت نتائج التحقيق فإن ذلك لن يغير حقيقة أن واشنطن لم تكن تملك أي دليل حين قامت بالعدوان.

بكلمة أخرى إن مفهوم : (نقوم بالغزو أولاً ونحقق بالأمر لاحقاً..) أمر لا يجوز أن يكون مقبولاً في القرن الحادي والعشرين.

 

 

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz