بلطجـة أمريكيّـة ضــدّ روسيـا

عندما يتعلق الأمر بروسيا , يصاب السياسيون الأمريكيون بهستريا, وبغضّ النظر عمّا يحدث في العالم , لا يكاد يكون هناك أمر سلبي إلا ويُعزى السبب على الفور إلى روسيا والرئيس الروسي، سواءً حادث تحطم طائرة في أوكرانيا أو التلاعب بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية أو المنشطات في الأحداث الرياضية الدولية, الساسة الأمريكيون ووسائل الإعلام الأمريكية تشير مباشرة بأصابع الإتهام إلى روسيا.

إن إلقاء اللوم الدائم ليس جديداً, فبعد هزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية مع الإتحاد السوفييتي , غيّرت الولايات المتحدة الأمريكية مسارها ضدّ الحلفاء, وفتحت مرحلة الحرب الباردة التي استمرت عشر سنوات.

ولكن لماذا أصبح الحليف في الحرب العالمية الثانية بشكل مفاجئ العدو رقم 1, ولماذا هذا النوع من البلطجة ضد روسيا مرة أخرى اليوم؟

النظام المالي الجديد: ديكتاتورية الدولار الأمريكي: ظهرت الولايات المتحدة كأقوى قوة اقتصادية وعسكرية في العالم من الحرب العالمية الثانية , وفي “بريتون وودز” عام 1944، تم إنشاء  نظام نقدي عالمي جديد جعل الدولار الأمريكي أول عملة احتياطية عالمية, ولم يكن هناك سوى دولة واحدة مهمة اقتصادياً ولم تخضع إلى املاءات الدولار الأمريكي وهي الاتحاد السوفيتي , حتى أنه تم الذهاب إلى أبعد من ذلك, حيث بقيت (بلدان الكتلة الشرقية) أيضاً بعيدة عن الإتفاق.

وهذا يعني أن أكثر من سدس العالم لم يتأثر بالدولار الأمريكي , كما ألغي التصدير غير المقيّد للبضائع الأمريكية , إن ذلك يعدّ سبباً كافياً بالنسبة للولايات المتحدة (القوة العظمى الجديدة) لإعلان حالة العداء على الفور مع حليفها السابق  مستخدمة جميع الحيل الشيطانية عن طريق وسائل الإعلام لتشويه صورته.

كما ساهمت صناعة التسلح الأمريكية في تغيير المسار, نظراً لأنها زوّدت الجيوش المتحاربة في الحرب العالمية الثانية بالسلاح , وقد نمت لتصبح قوة اقتصادية من الدرجة الأولى, وكان من الضروري وجود شكل عدو مناسب لها , وقد كان رفض الاتحاد السوفييتي لاتفاق “بريتون وودز” لصناعة الأسلحة أمر مطلوب.

الهدف الحالي للولايات المتحدة تجنب نهاية عصر الدولار : بعد انحلال الاتحاد السوفييتي في عام 1991 وتفكك نظام الكتلة الشرقية، تغيّرت الصورة وتمكن رأس المال الأمريكي من إغراق شرق أوروبا, وبالتالي اقتضت الحاجة الحفاظ على صورة العدو, ولكن مع مرور الوقت بدأ حكام روسيا الجدد بملاحقة مصالحهم الخاصة, ولم يرقصوا على أنغام رأس المال الأمريكي, وفي الوقت نفسه كان الانخفاض التدريجي للاقتصاد الأمريكي الذي تمّ نقله إلى الخارج في إطار العولمة, وأصبح أكثر عرضة لدور المضاربة مع القطاع المالي.

عندما حاولت أولى الدول الانسحاب من الهيمنة العالمية للدولار الأمريكي، ردّت الولايات المتحدة بشراسة قاسية: حيث تم الرد على خطة صدام حسين لبيع النفط مقابل اليورو بإعلان الحرب على بلده، وانتهى به المطاف على حبل المشنقة  كما أدت خطط القذافي لإدخال الدينار  إلى شمال أفريقيا المغطاة بالذهب إلى تدمير ليبيا من قبل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وقتل القذافي.

إن خلفية رد الفعل المتطرف بالحقيقة هي أن الدولار الأمريكي لا يزال حتى اليوم هو حجر الزاوية الأهم لهيمنة الولايات المتحدة العالمية ,وبمجرد سقوطه ستنتهي الهيمنة الإقتصادية والمالية العالمية للولايات المتحدة, لذلك فإن واشنطن تكافح بكلّ ما لديها ضدّ أي محاولة للحد من تأثير عملتها. هذا هو بالضبط السبب في الزيادة الحادة من الكراهية لروسيا على مدى السنوات الثلاث الماضية .

وفي عام 2014، نجحت روسيا بإبرام صفقة ضخمة مع الصين ليس فقط في قطاع الطاقة , بل تمّ الإعلان أيضاً عن أن مستقبل جميع المعاملات التجارية بين روسيا والصين سيكون مباشرة بالروبل واليوان، ولم يفعل البلدان أي شيء سوى ممارسة حقهما الدولي كدول ذات سيادة.

لكن الولايات المتحدة لديها تقليد طويل في انتهاك القانون الدولي عندما يتعلق الأمر بمطالبها الذاتية، وقد وضعت روسيا والصين القوية اقتصادياً الآن في نظر واشنطن سابقة يمكن أن تعرّض ازدهار العالم للخطر, وتشجّع المزيد من البلدان على إنهاء ديكتاتورية الدولار الأمريكي.

وبما أن النظام المالي الأمريكي يواجه حالياً أكبر الصعوبات بسبب فقاعات المضاربة الضخمة، فلا يتوقع حدوث تراجع في الكراهية لروسيا , بل على العكس من ذلك، ستحتاج واشنطن أيضاً على وجه الاستعجال إلى كبش فداء للهبوط الاقتصادي والمالي في المستقبل المنظور، وتبرير إعادة تسليحها العسكري، وإقامة تخفيضات اجتماعية شاملة, كما أنه ليس مستبعداً أن نجد قريباً انخفاضاً حاداً في مؤشر داو جونز، أو انفجار فقاعات عقارية أمريكية جديدة أو تخفيضات في قسائم الطعام للمواطنين الأمريكيين المحتاجين .

المصدر:” Neopresse “.

                                                      

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz