القاعـدة المنهجيـة تقـول : ” إن فاقـد الشـيء لا يعطيـه “

بقلــم : ” د. أحمــد الحــاج علــي “

  • الأصـل في بنـاء منهج الوعي يقوم على الثوابت والحقائـق.

  • السياسات الأمريكية لم تغادر منطقة العدوان علينا تاريخياً.

  • البنيـة الأمريكيـة مبنيـة ومستمـرة فـي الأسـس العدوانيـة.

ليست مهمتنا في بناء الوعي السياسي وإنجاز المواقف الوطنية أن نتخذ من تبدلات وتناقضات الطرف الأمريكي مستنداً يؤسس لمشروعية موقفنا ومصدراً يأخذنا إلى مطارح متغيرة تذهب باتجاه المتحرك الخادع وتغادر المصادر الأساسية وثوابت بناء القرار السياسي الوطني الذي يستوعب كلّ ما يحدث من تطوّر وما يستجدّ من تعبيرات عند الآخر لكنه يبقى متجذراً في أصول ومنطلقات التبصّر بالآخر والالتزام بالثوابت الوطنية.

ونحن في معركة واسعة الأبعاد وفي صراع محتدم هو حضاري من حيث المضمون ومصيري من حيث النتائج المبنية عليه , وقد دفع وطننا أثماناً غالية من دماء أبنائه ومن لقمة عيش الجماهير , وصبر هذا الوطن وصابر وهو يمتلك حقيقة الوعي بما يجري عليه وفيه.

و من البدء كانت الإمبريالية الغربية بشقيها الأمريكي و الأوروبي هي المنبع والمصدر الذي انطلقت منه هيجانات التدمير القاتل ضد سوريا العربية وقد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية بما فيها من سياسات غاشمة ظالمة وما لها من خبرة تاريخية عاتية في إنتاج العدوانات المستمرة على الشعوب وفي ابتداع السمات الخادعة مع كل موجة وعند كلّ مفصل تاريخي في العدوان.

ونعلم جميعنا بأن الثقافة المستقرة في أذهان جماهيرنا تؤكد بأن كل ما يصدر عن السياسات الأمريكية هو موجـه لإنتاج مسارين :

الأول منهما تدمير منابع الحياة والانبعاث في الوطن العربي بما يؤمّن للمعتدي سهولة السيطرة على الإنسان وعلى الأرض وعلى الموارد الأساسية وهذا المسار من طبيعته أن يتمثل بنسق من الأنظمة والحكام ومن المنظمات والحركات التي يتم تأهيلها جميعاً لكي تأخذ هذا الدور الأمريكي الصهيوني إلى مجالات التطبيق وأن تكون قادرة على نشر التزييف والمبرر سواءً أكان دينياً أو ثقافياً أو سياسياً .

والمسار الثاني هو الثابت الذي يتحكم بحركة المشروع المعادي من المصدر إلى الهدف والمتمثل بدور المؤسسة الصهيونية العالمية ومصلحة الكيان الإسرائيلي وهما معاً لا يمتلكان مشروعية الوجود إلا عبر تهديم البنى القومية العربية وتدمير المواقع التي تجسّد التوجّه العام للحرية وبناء الذات والتمسّك بمقومات المصير والواقع معاً, ومن هنا كانت سورية بعد العراق هي الموقع الطبيعي الذي حركت إليه وفيه الموجة العدوانية القائمة وهذه المرة عبر ادعاءات وإضافات خطيرة وقاتلة أدت جميعها إلى أن تتحول إلى متابعات لاهفة ومتنافرة حينما نحاول أن نواكب السياسة الأمريكية بكل ما فيها من ثوابت ومفاجآت .

إن العالم لم يمتلك حتى هذه اللحظة منهجاً يشير أو يعبّر عن حقيقة السياسات الأمريكية , لكنه يمتلك كلّ الإجابات المسبقة لتفسير السلوك السياسي الأمريكي وهو على الغالب قائم على التحصّن خلف الأكاذيب والاحتكام للقوى المادية الصمّاء ذهاباً و إياباً ، ولسوف يدوخ إلى حدود الهذيان من يطرح الأسئلة متجاهلاً الأجوبة المسبقة التي تستقر كيقينيات راسخة عن الهمجية الأمريكية في التعامل مع الشعوب ومع قضايا الأمم ومع حاجات الدول المنتشرة في كلّ أصقاع الأرض .

لعلنا الآن والسياسة الأمريكية في أوج هيجانها وقد خلع منظّموها كلّ الأقنعة المستعارة وظهروا على حقيقتهم فإذا بهم مجرّد نسخ بشرية مصنّعة في أعماق الوجود الأمريكي ذاته , مسدسات ورصاص وخبرة في قتل البشر وخيلاء لا ينقطع عن السلوك الأمريكي الذي لا يشبع ولا يقنع وهو يعتدي على الآخرين ويسفك دماء الأبرياء دون إحساس بخجل أو رادع أو وازع كما هو الحال عند كلّ أمم الأرض الحيّة , هذه السياسات الأمريكية تنتمي إلى أصول و إلى موروث و إلى ملامح تتجدد مع كل مرحلة يمرّ بها العالم , وهي منظومة متكاملة يمكن لأي متألم أو متابع أو ناقد أن يدرك جذورها في ثلاثة محاور:

  • المحور الأول : وهو الأخطر والأشد تماسكاً والأكثر انضباطاً على عقلية القتل والتفوق معاً, وهذا المحور قادم منذ نشأة الدولة الأمريكية حتى لكأنه نسغ الحياة الذي لا يحق لأي أمريكي أن يتمرّد عليه , وهذا المعنى متأصّل حتى أصبحت الممارسات الأمريكية الإجرامية طبعاً وطبيعة هي التي تؤسس لهذا السلوك القائم على قهر إرادة الشعوب وتدمير الحضارات وإفناء البشر بدم بارد حتى لكأنها متعتهم في واشنطن ولا يملك أيّ سياسي أمريكي لا في الدولة العميقة ولا في الحكام على السطح أن ينفلتوا من هذا الجذر القاتل.

    إنها مسألة خصائص استقرت وأنتجت معالمها وبنيتها على مدى أكثر من مئتي عام وأي أمريكي سياسي سوف يجد نفسه معزولاً ومحاصراً إذا ما فكر بالخروج عن هذا الجذر المفعم بالسموم و الاستطالات والمتوزع في مسارب الشر والتوسع والنظرة للآخر في أية قارة كان هذا الآخر على أنه مجرّد تابع بشري , قيمته تتجدد على قدر ما يقترب أو يبتعد عن الجذر الأمريكي وعلى قدر ما يستجيب أو يرفض أن ينضوي في عقد هذا الجذر المسموم.

    الآن صار بإمكاننا بعد لأي طويل وعذابات موحشة , صار متوجباً علينا أن نتعاطى مع هذه الحقيقة الأمريكية حتى لا نقع في الاحتمالات الباهتة في تقديرنا للمواقف الأمريكية وحتى لا نتوهم بأن الشر يمكن أن ينتج الخير وبأن التدمير يصلح أن يكون وسيلة للتعمير على عادة قميئة تتوزع الآن في تجمّعات العملاء في أمريكا سواءً في المحيط العربي أو في العالم الإسلامي .

  • المحور الثاني : ثم يأتي دور البنية السياسية الأمريكية الثابتة في أصولها والمتحورة في بقاع سطحها الذي فقد مقومات الحياة وإمكانية التصديق بعد هذا العناء العالمي من الإمبريالية الأمريكية , إن سياساتهم في أمريكا هي مجرد مناهج وقنوات تستجيب للجذر الأمريكي الفكري والعنصري , وتتكفل هذه السياسات ببناء المواقف وصياغة المسارات الكفيلة بنقل الجذر الأمريكي العدواني إلى هذه الأرض أو تلك حسب الحاجة وحسب مؤشر المصلحة الأمريكية وتبعاً لنظام الأولويات الذي تفرضه وتفترضه وحدة الوجود العضوي بين الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية بما فيها الكيان الإسرائيلي المعادي .

لقد حملت السياسات الأمريكية كل سمات الجذر المشوّه والهائج إلى كل المراحل التالية , نستطيع هنا أن نستذكر تطبيقات هذه السياسة الأمريكية في نكسة حزيران في العام 1967 حينما استجاب جمال عبد الناصر لرغبة العالم في فتح مضائق تيران وفي فكّ الاستنفار المصري وقد تعهدت واشنطن خطياً وشفهياً أنها تضمن بألا تقوم (إسرائيل) بشنّ عدوان على مصر وسورية .

و من منا لا يعرف البقية إذ في اليوم التالي كان الطيران الصهيوني يدكّ مطارات مصر وسورية و مازال حبر التعهّد الأمريكي لم يجفّ بعد , إنها حالة عمياء ضالة ومضللة لا وجود للقيم في السياسات الأمريكية ولا معنى لعهد أو ميثاق أو تعهد إذا ما استجاب العالم لضرورات السلام , بل على العكس من ذلك فالسياسات الأمريكية تنتج المتعة واللذة المضافة وهي تنقلب على الحقائق و المواثيق .

ألم يحدث أن ضربت أمريكا هيروشيما وناغازاكي بالقنابل النووية في اللحظة التي كان امبراطور اليابان يوقع وثائق الاستسلام في الحرب العالمية الثانية في العام 1945 , ليس هناك انحراف أو مفاجأة, نحن المتفرجون بتثاؤبنا المعهود نستعين عادةً بمصطلحات المفاجأة التي تقدمها السياسات الأمريكية , أما همّ في واشنطن فإنما يراكمون مشهداً جديداً للسقوط العربي والغثيان العالمي وحرب الإبادة القائمة في كلّ أصقاع الأرض دون رقيب أو حسيب .

  • ويبقى المحور الثالث وهو الذي يشتعل على الهامش الذاتي المتاح مع كل مرحلة وللحزب الجمهوري والديمقراطي وللرئيس الأمريكي المستجدّ وهذا ما نرى ارتكاساته في كاريزما وعقلية وأسلوب دونالد ترامب الذي يستمتع إلى حد الجذوة في الضحك علينا جميعاً وفي هذا التدهور والانحطاط العربي أمام نزواته وأمام شهواته التي لا تتوقف ولا تنضب وما من شيء جديد في نموذج ترامب إلا أنه الابن الشرعي الواضح والصارخ الذي تنتجه الجذور الأمريكية والسياسات الأمريكية معاً.

    إن هذا الرجل جاء من عمق الوجود الأمريكي ذاته وبشكله وعقله قدم إلى هذا العالم ليقول إن أمريكا بحقائقها قادمة معي, ومع ذلك ما زال الكثيرون يحللون السياسة الأمريكية بعقلية المتفذلك وباستطرادات المتابعات الشكلانية بما فيها من مصطلحات وجُمل سياسية يعتقد مطلقها أنه يمتلك الحقيقة عن السياسات الأمريكية.

آن لنا أن نصحو وأن نتعامل مع أمريكا في أعماقها فحسـب.

 

 

 

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz