دمشـق المدينة التي تصنع الحضارة وتُسطّر التاريخ

في عام 1969 صلّينا في جامع المرابط في المهاجرين صلاة الجنازة على المعماري (فرناندو دي أراند) والذي توفي في 27 كانون الأول وقبل أن يُكمل الحادي والتسعين من عمره بثلاثة أيام , ثم ووري الثرى في مقبرة باب الصغير هنا في دمشق . إن كان لكل مدينةٍ سرٌّ , فإن لدمشق أسرارُها .. ولها تاريخُها وبطولاتها..

ولها ألغاز وأسرار.. قصص وروايات.. بطولات لا تنتهي، وحكايات يتناقلها الأبناءُ عن الآباء والأجداد، إنها المدينة العريقة الطيبة التي تصنع الحضارة وتُسطّر التاريخ..

فيها سرّ الكون والتكوين، لم تزل باقية حتى الآن تردّ الأذى ، وتنشر السلام والإسلام. مدينة تختزن التاريخ، وتحكي أحجارها وسماؤها عن أسرارها, مدينة ذات ألغاز، و فرناندو دي أراندا  رائد نهضة العمارة في دمشق أحد ألغاز دمشق.

فعندما نُحاول تأريخ النهضة المعمارية في دمشق، يبقى  أراندا الشاهد الأكثر تأثيراً في عملية تطوير العمارة والعمران في دمشق خلال النصف الأول من القرن العشرين .

وبغضّ النظر إن كان “أراندا” قد حصل على شهادة أكاديمية، أم لا، إلا أنه أتقن عمله، وقام به على أكمل وجه . ولنبدأ الحكاية..

ولد فرناندو دي أراندا في مدريد في 31 من كانون الأول عام 1878م، ولم تلبث أمه أن توفيت بعد ولادته بوقت قصير.

رافق والده الموسيقار، منذ كان طفلاً، إلى باريس التي درس فيها الفنون الجميلة، كمختصّ في التصميم ومن هناك إلى إسطنبول حيث عمل والده في الفرقة الموسيقية للبلاط العثماني.

ثم انتقل فرناندو إلى دمشق في أوائل القرن الماضي ، مكث في فندق فكتوريا، أمضى جلّ وقته في دمشق في دراسة تصاميم فن العمارة، وقام بجولات على أحياء وحارات الشام متأملاً هذه المدينة وعمقها التاريخي , فتعلق بالشام التي تعرّف فيها على زوجته الأولى “زنوبيا سيريكاكيس” اليونانية الأصل التي أنجب منها ولدين قبل أن ينفصل عنها .

اعتنق الدين الإسلامي وغيّر اسمه إلى محمد أراندا  , تزوج من سيدة من دمشق اسمها صبرية حلمي ذات أصول تركية تعرّف إليها أثناء بناء دار عائلة حلمي في الحلبوني” ثانوية الأندلس حالياً “, قضى معها بقية حياته حتى التسعين مابين حيفا ودمشق , سعى ليتقلد منصباً دبلوماسياً  فأصبح نائباً للقنصل الفخري الإسباني في دمشق بين عامي 1912م- 1936م، من أوائل أعمال المهندس دي أراندا الإشراف على تنفيذ مخطط ألماني لبناء  عمارة العابد  في ساحة المرجة في العام 1906.

وكان ” أحمد عزت باشا العابد ” قد كلّف المعماري أراندا بتنفيذ المخططات الجاهزة التي تُحاكي أبنية ألمانيّة معاصرة، وأُنشِئ المبنى ليكون فندقاً , ولكن ظروف الحرب العالمية الأولى دفعت لاستخدامه مشفى عسكرياً ثم منزلاً للعساكر، ومازال يحمل اسم “المنزل”، وكان مقرًّا للمؤتمر السوري الأول عام 1919م “أول برلمان لبلاد الشام”، ومقراً للجنرال غورو عند دخوله دمشق عام 1920م، وفي جزء منه شغلته مديرية الأحوال المدنية ” النفوس ” إلى فترة قريبة.

 وفي أحد أجزائه شغلته مديرية شرطة العاصمة وفي غرفة منه مكث الجاسوس الإسرائيلي ” إيلي كوهين ” ينتظر الإجراءات القانونية السابقة للإعدام وذلك عام 1965. وإذا كانت عمارة محطة الحجاز التحفة المعمارية من أبرز ما صمّمه عام 1912 وأشرف على عمارته المهندس أراندا واشتهر به، فإن عدداً كبيراً من الأبنية في دمشق كانت من تصميمه

كان من أبرزها :

1- مشفى الحميدي ( الغرباء ) جانب مبنى جامعة دمشق.

2- قصر ناظم باشا بالمهاجرين.

3- مدرسة الحقوق ( وزارة السياحة حالياً ).

4- مبنى كليـة الحقـوق في جامعـة دمشـق ( الثكنـة الحميديـة ).

5- مبنى جامعـة دمشـق.

6- بناء مديرية الأوقاف ( 1930 ) كان مقراً للإدارة العامة لدمشق خلال الانتداب الفرنسي، ( يشغله حالياً المصرف التجاري مقابل القصر العدلي).

7- بناء هيئة مياه عين الفيجة ( في شارع النصر).

8- فندق زنوبيا- تدمر: بني عام 1924، يقع في مكان ممتاز، ضمن موقع الآثار. ومن نزلاء هذا الفندق الملك ألفونسو الثالث عشر وأغاثا كريستي.

9- أبنية أرض الطاووسية وهي جزء من وقف جامع الطاووسية أو اليونسية .

10- خطط لتوسيع الجناح الغربي للمتحف الوطني بدمشق عام 1949 .

11- قصر الأيوبي في نوري باشا قرب السفارة الفرنسية .

12- قصر حقي باشا العظم . ناهيكم عن العديد من القصور والبيوتات الدمشقية العريقة في السنجقدار ونوري باشا والحلبوني والمهاجرين.

أحبَّ أراندا مدينة دمشق من أعماقه. هذا المكان الذي قضى فيه تقريباً جُلَّ حياته ومارس فيه حياة اجتماعية تركت له أثراً كبيراً في نفوس كلّ من عرفه، وذكرى جميلة لرجل إسباني نبيل وخفيف الظل ومحترم ومحبوب من قبل كل أهالي البلد.

وصل إلى دمشق وهو في ريعان شبابه، ومكث فيها يشْتَمّ عبق الحضارة من حاراتها، وتزوج من بناتها، وساعد على رسم صور حضارية، فشيّد فيها روائع البيوت والقصور، وحين جاءه الأجلُ ضمّته دمشق بين ذراعيها.

إنه المعماري محمد – فرناندو دي – أراندا “رحمه الله”.

 

د . بســام أبـو عبد الله

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*