الأداء الوطني السوري والتحولات الكبرى

بقلــم الدكتـور  أحمد الحـاج علـي

الشعوب الأصيلة تنتصر وهي تتألم وتعاني

البنية الوطنية السورية تستوعب وتعيد إنتاج المسارات الحية

في أصولنا أخذت الشهادة والشهداء هذا المدى في الإبداع

في الأحداث الكبرى تبقى الوقائع والحقائق معاً منوطـة أو مستمدة من البنية الخاصة بهذا الموقع أو ذاك والأهداف القريبة والبعيدة الموضوعة لهذه البنية ومن ثم مقدار المشروعية في أداء هذا الاتجاه أو ذاك عسكرياً أو سياسياً أو ثقافياً  أو اقتصادياً.

وهذا الطرح مفهوم وواضح ولكنه في التطبيق العملي غامض ومعقد إلى أبعد حد , فكل شيء وعكسه مطروح في البنى المعادية , يعلنون السلام ويمارسون الحرب و قد تكثفت أنماط سلوكهم في إجادة القتل بعد أن فرَت منهم مقومات القتال, إن هذا المدى في الوطن السوري تحول في المآل إلى مساحة حيوية كبرى لاستخلاص الدروس من مكامنها ولإعادة الأمور إلى نصابها.

وقد انهارت بل انهزمت كل تلك الإدعاءات التي جرى ضخها في السنوات الأولى من العدوان تحت مسمّيات كاذبة وخادعة هي الحراك الوطني والبحث عن الديمقراطية وإعادة بناء الوطن السوري والالتزام بما يريده الشعب, الآن يكتشف الأعداء قبل غيرهم أنهم خدعوا أنفسهم بالمقام الأول وخدعوا مساحات من الرأي العام الإقليمي والدولي .

ولكن الأمور بفعل عاملين متلازمين وصلت إلى نهايتها، وإذ بالزمن الراهن وفي هذه اللحظة بالذات يحمل عنوان الانكشاف والاستحقاق معاً, أما العامل الأول فهو الأداء الوطني السوري, أعني أداء الشعب وحكمة الإرادة و الإدارة للرد على العدوان ومستوى الإبداع العقائدي والعسكري الذي ما زالت قواتنا المسلحة تراكمه باضطراد وبتفوق على الذات وبمقدرة عالية على أن تتوحد في لحظة واحدة حقائق الأداء حتى حدود الشهادة مع التطور الدائم على جسر الخبرة حتى حدود هزيمة القائمة المعادية.

ومن الواضح تماماً أن خط السير هذا كان قد تم تحديده وتعبيده بالدم والمصابرة إلى أن صار طريقاً سالكاً باتجاه واحد هو الوصول إلى الانتصار النهائي في حين كان الخط المعاكس لقوى الإرهاب والعمالة والدعم الإقليمي والعالمي يتآكل من الداخل ويتفكك في بنيته الفكرية وبنيته العسكرية الأمر الذي جعل الخيار الوحيد أمام الإرهاب و داعميه هو الجنوح نجو المجازر والسيارات المفخخة واصطياد الظروف الرخوة أو السهلة.

وأما العامل الثاني فقد تمثل في ثنائية الإرادة و الإدارة على المستوى السياسي والاجتماعي في الداخل والعسكري في قيادة المعارك الكبرى والصغرى.

وبمفاعيل هذا التلازم حدثت حالة الاصطفاف إلى الدرجة التي صارت فيها سوريا هي الجوهر والمحرك الأساس لبناء أفق وعمق المقاومة ولسوريا أشقاء وأصدقاء ومؤيدون على مستوى العالم الحر وهؤلاء هم حجم القوة البشرية والاقتصادية والعسكرية في هذا العالم المجنون.

ودخل هذا البعد بل تداخل مع البنية السورية فصار مقاوماً وصار حارساً أميناً لكل الإنجازات وصار قوة عضوية وليست فضفاضة في الأداء الوطني السوري وهذا منجز غير عادي حينما يرتقي إلى حد وحدة الوجود والمصير مع سوريا .

سوف تبقى القاعدة صحيحة : إن فاقد الشيء لا يعطيه , و لكنها تحتاج إلى تعميق من حيث تطبيقاتها سواءٌ في الميدان العسكري أو في السياسة أو في الحياة الاجتماعية العامة, هذا التعميق ينصرف في المقام الأول نحو الطرف الآخر  أعني المعتدي, وهو يملك و لا يفتقد وهنا الفارق بين المعنى الأدبي للقاعدة وبين المعنى السياسي لها .

إن الطرف الآخر صاحب المشروع العدواني الواسع على سوريا هو يمتلك كل عناصر العدوان بالمقام الأول من حيث الأدوات العسكرية ومن حيث المنهج الفكري والسياسي ومن حيث الطاقة المالية الكفيلة بشراء الضمائر وكثافة المنضوين تحت الإغراءات.

و يمتلك المعتدي أيضاً أتباعاً له منتشرون بصورة ملحوظة أو خفية داخل المجتمع السوري وهؤلاء أكثر من إرهابيين في الميدان وأكثر من خلايا نائمة وأكثر من احتياطات تنتظر دورها في مسارات المعركة, والملاحظ أمرين في هذا الاتجاه الأول هو أن قائمة المعتدين متنوعة وتضم أطيافاً تبدو من الظاهر أن لا علاقة وطيدة بينها, بينما هي في المنشأ والأهداف والوظيفة العسكرية والسياسية موحدة ويجمعها مسار واحد وفي هذه اللحظة ظهر أن مصيرها واحد ومع تراكم الأيام و مع تراكم خبرة الأعداء أصبحت قائمة المعتدين علينا متماسكة عضوياً فلا نستطيع أن نجد فرقاً بين أمريكا و آل سعود و داعش و تركيا و إسرائيل ومسمّيات كثيرة أخرى.

والنتيجة الثانية تتمثل في أن قائمة القوى المعادية في سوريا اكتسبت خبرة توزيع الأدوار تماماً كما اكتسبت خبرة طرح المشاريع أو البنود المتصلة بهذه المشاريع وهذا ما زلنا نراه من خلال المؤتمرات والأنشطة الدولية سواءٌ أكانت عبر قناة الأمم المتحدة أو من خلال المباحثات الحكومية الثنائية أو التي يضمّها مؤتمر واحد في هذه المرحلة أو تلك.

و ما دمنا بصدد تحديد هذه القوى من حيث هويتها والمنهج العام الذي ينتظمها فإن المنطق السياسي يُلحّ بالضرورة لكي نبقى على حذر من المراحل التي يمر بها المنهج المعادي والصيغ التي تنقل وجهات النظر لهذه القوى من مرحلة لأخرى ومن فصيل لآخر وهذا المقطع بالذات يشكل واحداً من مفاصل الصراع في العمق وبالتالي يتطلع أصحاب المشروع المعادي إلى أن تتفكك رؤيتنا للمشروع المعادي الموحد بحيث نعتقد أن لكل طرف مادته وأهدافه وأن مواقف قوى هذا المشروع قد تتقاطع في بعض النقاط ولكنها تتناقض في كثير من المطارح.

وهذا الأسلوب مقصود لذاته حتى يتم الفصل بين القوى المؤسسة للإرهاب وبين القوى الممولة للإرهاب و بين أذرعة هذه القوى عبر التنظيمات الإرهابية بكل مسمّياتها وعناوينها ولا سيّما حين يتعلق الأمر بالتنظيمات الإرهابية الكبرى مثل داعش و جبهة النصرة, إن المنحى المزور والمعتمد لإنجاز هذه المهمة في الفصل بين الأطراف المعتدية من الدول العظمى إلى التشكيلات الإرهابية صار الآن واحداً من أهم محتويات العمل السياسي والعسكري في هذه اللحظة.

يريدوننا أن نقتنع بأن أمريكا تهاجم داعش وتطاردها ويريدوننا أن نقتنع بأن الاقتتال بين المنظمات الإرهابية هو ليس على الغنائم بل هو وجهات نظر سياسية تختلف من فصيل لآخر وبالتالي علينا أن ننتظر بل أن نتوقع أن نكسب بطريقة الانتظار والتخفيف في الرؤية من هذه التناقضات المفتعلة على الغالب.

والآن يريدوننا أن نقتنع بأن الصراع بلا حدود ما بين العدوين الأساسيين آل سعود ومن معهم و آل ثاني في قطر ومن في حكمهم, وكم هي الوقائع مؤذية أن نعتنق بالتصديق فكرة التناقض بينهما وكم هي منهجية جارحة و صدئة حينما نذهب إلى التحليلات المضافة والكلامية متجاوزين حقيقة الجرائم وطبيعة المجرمين.

ومن هنا نرى بأن الناتج العام ممّا يتطلعون إليه هو تبديد الوعي السياسي في سوريا وتشتيت الإجماع الشعبي في سوريا وبالتالي الوصول إلى لحظة تبريد الطاقة والأداء الوطني في سوريا وهذا نسق معروف في كل الصراعات.

إذ أنه في مرحلة نهوض الموقف الوطني وبناء ذاته و تحديد تشكيلاته واكتساب الخبرة في الميدان العسكري والسياسي، في هذه المرحلة كما هو حاصل في سوريا الآن تتوطد معالم جديدة أساسها إنجاز التحولات العسكرية والسياسية والاجتماعية وهي التي تصلح أساساً لإنجاز الانتصارات في كل هذه المجالات.

ومعروف عند الآخرين قبلنا مع الأسف أن منهج التحولات في سوريا هو المعتمد وهو الثابت وهو المقدمة الكبرى التي يُبنى عليها الانتصار العياني والمادي الملموس في مرحلة قريبة قادمة وهذا ما يخيف قوى الإرهاب من رعاتها إلى توابعها.

ذلك أن المجتمع الذي يمتلك عبر المشروعية وانبعاث خصائص الوطن منهجية إرساء التحولات هذا المجتمع يمتلك ناصية النصر قبل حدوثه ويعرف بصورة مستقيمة وثابتة خطواته نحو نقل التحول إلى الانتصار ولنعد بالذاكرة إلى بداية الأحداث فقد صمّموا المؤامرة على شرطين, شرط إيقاع الاختراق السريع عبر التدمير والانتشار بحيث يعتقد الجميع أن هذه العاصفة لا يوقفها أحد ثم إنها تمتلك خاصية القبول والتلقي من الخارج إلى الداخل  ومن البعد الصهيوني الرجعي إلى التشكل الوطني الحضاري السوري, كان المقصود بذلك أن لا يلتقط الوطن السوري أنفاسه عبر أسلوب سفك الدم والتدمير والتهجير وتقطيع أواصر الجغرافيا والحصار والتجويع.

والشرط الثاني الذي اعتمدوه في تصميم منهج ووقائع العدوان هو الذي نتابع معالمه في أفق هذه المرحلة بحيث يتظاهرون بأنهم قد استجابوا لبعض المطالب هم ينقلونها الآن إلى تفاهمات ولربما اتفاقات ونعلم تماماً أن فاقد الشيء لا يعطيه و أن الهدف من ذلك هو أن نسكن وننتشي مجاناً لكن الواقع يقول إن سوريا بلد السلام ومع السلام ولكن يدها لن تغادر الزناد أبداً.

 

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*