حطّمـوا هذا التابـو المزيّـف

تابو مزيّف لتبرير جريمة الإبادة الجماعية أول ما يفعله أي مجرم عادة هو محاولة إزالة جميع آثار الجريمة التي تدلّ عليه ومحاولة شيطنة الضحية لإلصاق التهمة بها.

فإن لم يستطع, فإنه يحاول إسكات الشهود أو المتشككين  بالترهيب أو الترغيب لمنع جهرهم بالحقيقة وفضح مسؤوليته عن الجريمة، هذا تماماً ما فعله القائمون على مشروع إنشاء هذا الكيان الاستيطاني العنصري التوسعي في شرق المتوسط والذي يقوم أساساً على إبادة جميع شعوب المنطقة بالتدريج ووفق مراحل زمنية مدروسة ومعدّة سلفاً.

وبما أن الفكرة التي تمّ تأسيس هذا الكيان بناءً عليها فكرة لا يمكن أن يتقبلها أي عقل أو تفكير سليم لأنها تقوم على كوكتيل غريب عجيب يجمع شذرات من الميثولوجيا والدين والتاريخ غير المثبت علمياً  فكان لا بدّ لهم من استحداث سلاح فكري استباقي يمنع أي صوت حرّ من معارضة هذه المشروع التدميري، فاستحدثوا أكذوبة “معاداة السامية” كسلاح يشهرونه في وجه أي صوت يخالف مشروعهم يمكنه أن يصرخ كما صرخ ذلك الطفل الصغير أمام الجميع بأن الإمبراطور بدون ملابس…

لذا نقول..أما آن الأوان لتحطيم هذا التابو المزيف الذي يخيفون به الأصوات الحرة.. وكشفه على حقيقته بأنه مجرّد  ستار يخفي وراءه مشروع إبادة جماعية لجميع شعوب المنطقة دون استثناء..

فمن قاموا على هذا المشروع اعتمدوا على فكرة شيطانية تتمثل في إحياء نص يزيد عمره على آلاف السنين نبشوه من بطون الكتب القديمة وخارج سياقه الطبيعي والتاريخي وأقحموه في صلب القوانين الدولية كما لو كان الحقيقة كلها…

ويتمثل هذا النص بوعد مبهم وملتبس يزعمون من خلاله أن ” إلهاً ما ” قد منحه لبني إسرائيل لوراثة ” أرض الميعاد “..

ربما يصلح اعتماد مثل هذه المقولة في الأعمال الأدبية الميثولوجية الخيالية لأن للنصوص الدينية كما هو معلوم أساليب وطرق متعددة للقراءة والتفسير والفهم..

لكن أن يتم اعتماد ذلك كسياسة دولية فهذا أمر جلل ويفوق أي خيال.. فمثل هذا الكلام لا يقبله أي عقل سليم أو ضمير حر… فكيف قبله العالم وبنى عليه سياسات دولية وأضحى قانوناً يعاقب من يخالفه..

أمر أقرب إلى الخيال من الواقع لولا أن الواقع الذي نشهده هو ذاته أغرب من الخيال.. ولولا أن هذه الأكذوبة السخيفة ليست نكتة سمجة بقدر ما هي واقع مرّ يدفع ثمنه آلاف إن لم نقل ملايين البشر يومياً.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: إن كان هؤلاء قد أحيوا وفعّلوا نصاً يعود لآلاف السنين فما الذي يضمن لنا أنهم لن يفعلوا ذلك مع باقي النصوص ذات الصلة؟ خاصة وأن هذا هو ما يفعلونه حقيقة وأمام سمع وبصر العالم  ..

بما أن هذا الوعد المزعوم مأخوذ بهذه الطريقة المبتسرة من العهد القديم, فهذا يعني أنهم على استعداد لتفعيل نصوص مشابهة كما في سفر تثنية الاشتراع والذي ينصّ صراحة على إبادة كامل شعوب المنطقة إبادة كاملة ودون أي تمييز شرط أن يتم ذلك على مراحل ووفق جدول زمني معين..كما هو وارد حرفياً:

يقول سفر تثنية الاشتراع ما يلي: ” إذا اقتربتم من مدينة لتحاربوها فاعرضوا عليها السلم أولاً.. فإذا استسلمت وفتحت لكم أبوابها, فجميع سكانها يكونون لكم تحت الجزية و يخدمونكم, وإن لم تسالمكم بل حاربتكم فحاصرتموها فأسلمها الرب إلهكم إلى أيديكم, فاضربوا كل ذكر فيها بحد السيف.

وأما النساء والأطفال والبهائم وجميع ما في المدينة من غنيمة فاغنموها  لأنفسكم وتمتعوا بغنيمة أعدائكم التي أعطاها الرب إلهكم. هكذا تفعلون بجميع المدن البعيدة منكم جداً, التي لا تخصّ هؤلاء الأمم هنا..

وأما مدن هؤلاء الأمم التي يعطيها الرب إلهكم ملكاً, فلا تبقوا أحداً منها حياً, بل تحللون إبادتهم, وهم الحثيون والأموريون والكنعانيون والفرزيون

والحويون واليبوسيون, كما أمركم الرب إلهكم لئلا يعلموكم أن تفعلوا الرجاسات التي يفعلونها في عبادة آلهتهم فتخطئوا إلى الرب إلهكم” . هذا النص يدعو صراحة إلى الإبادة الجماعية الممنهجة ضد جميع شعوب المنطقة فقط لاختلافهم معهم دينياً وفي كيفية عبادة كل منهم لإلهه.

أليست هذه هي نفس عقلية ومنهجية داعش.. مع فارق وحيد هو أن المجتمع الدولي أقرّ الأولى ودعمها علانية بينما أدان الأخيرة علناً ودعمها  سراً دون أن يجرؤ على البوح بهذا الدعم السري..

السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف وافق ما يسمّى المجتمع الدولي على مثل هذه الجريمة ؟ وكيف صمتت جميع منظمات ما يسمّى حقوق الإنسان ولم تنبس ببنت شفة ضدّه أو ضد القائمين عليه؟؟ وكيف تمّت شرعنة الجريمة وتجريم من يجهرون بالحق ضدها؟

والأهم من هذا كله أن كل من يقبل أو يوافق على مزاعم “عودة” أناس لا نعرف أصولهم إلى ما يسمّونه “أرض الميعاد” يكون في الحقيقة متورطاً في جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبت وما تزال مستمرة حتى اليوم سواءً بالغزو العسكري المباشر أو عبر وكلائهم الإرهابيين أو من خلال زرع الفتن والاقتتال الطائفي بين مكونات هذه الشعوب.

كل هذا تحت ستار تابـو ديني سياسي مالي يسمّى الخوف من وصمة الاتهام “بمعاداة السامية” ممّا يكشف أن هذا الشعار المزيف ليس سوى ستار مخادع  يتم من وراءه تمرير جريمة إبادة جماعية منظمة وممنهجة.

وينطبق هذا على الادعاءات المزيّفة حول ما يسمّى “أمن إسرائيل” لأن مثل هذا الشعار المزيّف الذي يسوقونه عبر الإعلام ليس في الواقع إلا ستاراً لتبرير إبادة جميع شعوب المنطقة.. وليس سوى خديعة كبرى يتم من خلال تدمير المجتمعات الإنسانية التي سكنت هذه الأرض على مدى قرون طويلة وزرعت أرضها وأشادت بنيانها وساهمت في حضاراتها المتعاقبة..

من هنا علينا أن نسأل السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: أما آن الأوان لتحطيم هذا التابو المزيّـف؟ وإلى متى يتم تمرير جريمة الإبادة  الجماعية تحت شعارات زائفة لا يقبلها عقل أو منطق؟

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*