فـي لحظـةِ بنـاءِ الفعـلِ عبـرَ مقوماتـهِ الكبـرى

بقلـــم الـدكتــور ” أحمـد الحـاج علـي “

  • الشهادة والشهداء هما المقدمة والنتيجة في سياق متصل .

  • سورية أنجزت التحولات الحيوية في بناء السياسة والخيارات .

  • البحث الهام الراهن هو عن الانسجام الوطني في كل مساراته ومكوناته.

ينقلنا وعي الصراع في هذه المرحلة إلى يقين أكيد بأننا تخطينا رد الفعل إلى الفعل ذاته وهذه المسألة لها تجلياتها في المستوى العسكري والسياسي والاجتماعي كما لها تأثيراتها على المستوى الإنساني أيضاً .

ونستدل على فعلنا بخصائص استقرت في الحياة وفي مقدمتها و لربما عنوانها الأساس هو الشهادة والشهداء بحيث صرنا بصورة مكثفة وطن الشهداء لتجذّر هذا الفعل في حياتنا ولنوعية إنجاز الشهادة في مواقفنا وتلك مسألة حساسة لأنها أنجزت مقدمات لم يعد يملك أحد تجاهلها أو الالتفاف عليها أو صياغتها كمادة للتداول المؤقت.

إن فعل الشهادة والشهداء صاغ لنا وفينا مقدمات كبرى هي حقيقة هذا الوطن و أهداف هذا الشعب و أداء هذا البلد بصورة عامة.

وهنا لابد من التأكيد بأن الشهادة هي قرار الله واختياره وأمانة يضعها في تلك النماذج الحية التي انضبطت على قواعد الحق والحقيقة ونمت ثقافياً وذاتياً على قيم العطاء والتضحية فتكثف فيها الوطن بكل معالمه ومعانيه وترسخت هي في عمق الحالة الوطنية وتشكلت على أساس أنها سطر من إبداع كُتب في لوح الوطن الكبير وحُفظ في اللوح المقدس عند الله ومع الشهادة اكتسب وطننا وفي عمقه قواتنا المسلحة مقومات الخبرة التي أنجزت فعل النمو المضطرد والتراكم العضوي الإنساني وهذه الخبرة ليست ميدانية فحسب لكنها تشتمل على عنصري الإيمان والثقافة وكلاهما منطلق استقامة ومؤشر التزام ودافع لكي يستمر العطاء حتى إنجاز الأهداف الكبرى وبناء الوطن على أسس ما بعد هذه الأهداف الكبرى ثم تحركت وفود من التحول القائم على قاعدة استلهام التاريخ وإحياء الذاكرة الوطنية والتبصر بما نريده لأنفسنا ولما يريده العدو فينا وعلينا ونحن نرى أن القوى المعادية الهمجية بكل تصانيفها نقلت المعركة الكبرى الدائرة حتى الآن من مرحلة أخذ سوريا من الأطراف ومن الخارج إلى أن يكون الصراع في الداخل السوري نفسه واستحدثوا لذلك شرائح وحاضنات و استنفروا في سبيل ذلك ضخ المال الحرام و فاعليات الميديا الإعلامية بكل قدرتها على التزييف والتزوير وبث الشائعات واستنهاض عوامل الفتنة واختطاف الدين الإسلامي الحنيف ومخاطبة البعد الغرائزي في الإنسان وتوظيف الأطفال لممارسة الجريمة الدولية المنظمة .

كل ذلك شكلوه ضمن منظومة متكاملة لا حدود بينها في العمق وإن اختلفت الأسمـاء والمسمّيات , فصارت الدول العظمى مثل أمريكا وأنظمة العائلات كما في الخليج ومواقع الحقد التاريخي كما عند أردوغان في تركيا هي الرافعه الأساس لوحدة الإرهاب الذي تشكل على القاعدة الموحدة لثقافة التورات المغشوشة وتعاليم الماسونية وأفكار الوهابية وانحرافات التنظيم العام للإخوان المسلمين ثم جاء هذا المولود المشين والعجيب من خلال تنظيمات الإرهاب وفي مقدمتها داعش وجبهة النصرة وجيش الاسلام وفصائل كثيرة وهائجة حاولت افتراس الوطن مستثمرة أحقادها من جهة ونقاط الضعف والثغرات المبثوثة في زوايا الوطن من جهة أخرى , ومع ذللك أنجزنا الوعد ودخلنا في منطقة الفعل الراسخ والحي .

صرنا نكتب بالشهداء و لطالما كنا نكتب عنهم,  في هذه الحالة من صراع الوجود صارت الشهادة هي المبتدأ  وهي الخبر وتحولت السياسة والكتابة في السياسة إلى مجرد تأطير يأخذ حدوده من الشهداء ويطلق معالمه من الشهادة ذاتها  من هنا فإن الاستحقاق المكافئ لسوريا العربية الآن هو أنها صارت وطن الشهداء, إنما تعمّدت أن أبدأ بالشهادة لكي نتحول من مظاهر السياسة إلى أعماقها وفي وطننا السياسة هي الشهادة والشهادة هي الباعث والحارس الأمين للسياسة في كل تقلباتها ومدلولاتها , إننا الآن نعيش هذا المدى وقد ألفناه مثلما ألفنا وبصورة مباشرة وطننا في قواعد وحظوظ غير قابلة للانكفاء أو التراجع.

الآن الشهادة خلود كما وصفها خالق البشر والسياسة تطابقت مع هذا الخلود كما يعيشها وطننا حدوداً وفعاليات , لقد صرنا نشعر بأن قاعدتين لا بد من تجنبهما.

في القاعدة الأولى نرفض أن يكون أي شيء هو أفضل من لا شيء فالشهادة ومجراها السياسي علمتنا أننا لسنا عابرين ولن نستجدي حلاً ولن ننتشي بمقطع محدود من الحظوظ الموحدة للشهادة والسياسة وهنا يكمن المبدأ أو هنا يتحصّن مصيرنا وهنا نفاجئ العالم بأن وطننا ليس مزاداً أو مناقصة في عالم الدمار والانهيار الأخلاقي , إنه عنوان للإنسانية كلها وللزمن كله ما كان من هذا الزمن أو ما سوف يأتي منه .

وفي القاعدة التالية نرفض أن نحول النضال إلى مجرد أحلام وشعارات برّاقة عبر القاعدة التي تقول كل شيء أو لا شيء , إن الخيار هنا يقع في تراكم عضوي متجدد ومتفتح ومتحرك إلى الأمام والسياسة هي الحكمة كما نعتنقها لتأخذنا من الواقع إلى الواقعية , وهكذا تبدأ مسيرة الوطن بعناوين هي جذور وهي التي تطلق كل صيغها في الزهر والثمر بعد ذلك.

ومن هنا لابد من التأسيس وليس مجرد التأشير لمتلازمة كبرى في حياتنا الوطنية كما كانت في كل مراحل تاريخنا , هذه المتلازمة تؤكد أن السياسة التي نعيشها اليوم ونمتد بآفاقها كما تمتد بآفاقنا هي خلاصة تاريخ للعالم كله ليس بمعنى أننا كنا وما زلنا في مستوى الصراع فحسب ولكن بالأفق الأعلى حينما نقدس وطننا ونبدع في عقولنا ونعيش السياسة حالة حيوية.

ولعل ذلك هو من الحالات النادرة في تاريخ البشرية المعاصرة فقد عودتنا قوى الصراع في العصر الحديث على التناقض ما بين حق الشعب وسلوك القوى المعتدية , ولذلك كان العدوان هو المخرج الطبيعي لعلاقة قوى الشر بكل تشكيلاتها مع أمم الأرض الحية منها أو المستكينة أما نحن فإن للمنظور هذا قواعد واستحقاقات تجمع في دفتيها الصبوة حتى حدود الشهادة مع الإصرار حتى حدود العقلانية.

ومـع الإدراك العميـق لطبيعـة الصـراعـات التاريخيـة ولاسيّمـا فـي عالـم تسـوده وتتسيّده إدارات الشـر ومناهـج الخـداع ومسارات المتاجـرة بالبشـر واقتصادهـم و دياناتهـم ومصيرهـم منـذ اللحظـة الراهنـة.

إن هذا النهج الوطني التاريخي السوري يستوعب مستويين : في المستوى الأول هذا الإدراك العميق لثوابت الحق ولتجليات الإرادة و لبواعث الشهداء والشهادة فتلك عناوين عضوية هي المخرج و المدخل معاً للفرد العادي وللمجتمع وللدولة وللقيادة والقائد في سياق واحد .

لعل العالم كل العالم الآن يتابع باهتمام وصل الى حد الذهول مقاطع وحقائق الأداء الوطني السوري في الميدان العسكري وفي العمل السياسي بصورة موحّـدة تصدر عن منبع واحد وتتجه لتحقيق هدف واحد والجوهر في ذلك كله هو وعي التاريخ و موروث الآباء والأجداد وحق الشعب في الحفاظ على استقلاله وتقرير مصيره وهنا يبرز العنصر الأكبر والأهم الباني والهادي والموجّـه من خلال الشهادة و الشهداء والقصة في سورية العربية اكتسبت هذين الحدين أداء مستمر متعمّق في الحد الأول وإبداع إلى حد الأسطورة في الحد الثاني.

وبالجدلية الناظمة للأداء النضالي والحيوية السياسية يكتشف العالم  لربما قبلنا في بلدنا أن هذه الحالة من تلازم الوفاء والإبداع معاً لا يمكن أن تنفصم عراها ولا يمكن لعنصر فيها أن يستطرد على حساب ضمور الآخر ولذلك تتميز معاركنا الحربية والسياسية والاجتماعية بأنها نمط مختلف عمّا اكتنف وأحاط بالتحديد والتحليل كل الوقائع المرة لحروب العالم المعاصر وهنا نجد أن الباعث في ذلك كله إنما استمد أصوله من جذرين حيين من جذر إيماني عقدي أطلق مساحة الكمال والجمال في بغية الشهادة والشهداء , حتى صار هذا المسار هو العادي في حياتنا ونحن الذين نطلبه بعد أن مرت عصور هو الذي كان يطلبنا.

أليس من الطبيعي في هذه اللحظة أن نستحضر الشاهد والشهيد خالد الخطيب و دمه الزكي مازال رطباً و مشعاً في البادية شرقي السلمية , هو ليس فرداً بل هو حالة نموذجية في آفاقها تنبعث منها كل المعالم الطيبة وبالتالي فإن اعلاميين بل مواطنين سوريين هم كما قال فيهم الله سبحانه وتعالى (( منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا  تبديلاً )) وبالمحصلة فكلنا شهداء أو مشاريع شهداء والخارجون عن هذا الكل هم مأزق الوطن ونقطة ضعفه التي لا يليق بنا أن نبقيها بالتداول أو في الوجود ولو كان محاصراً.

وهنا يفرض الجذر الحي الثاني حضوره وهو القائم في إدراك توزعات العالم وفي إدارة العمل السياسي والاجتماعي عبر الإرادة ذاتها ولقد تتقاطع نقاط على خطين متوازيين للصراع لا يلتقيان ولكن المشهد العام يرسمنا في لوحة الواقع كما رسمنا الواقع في وجوده وحركته .

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*