استراتيجية الأسد سمحت لنا بأن نسير أحراراً شامخين

عندما حاصر الجهاديون هذا البلد عام 2011, كان رد فعل الرئيس بشار الأسد خارج المألوف. فبدل أن يعزز سلطات أجهزته الأمنية, قام بتقليصها وتخفيضها.

الآن وبعد ست سنوات من ذلك العدوان, تبدو الدولة في طريقها إلى الخروج منتصرة في أكبر وأهم حرب عرفها العصر الحديث منذ حرب فيتنام.

عدوان من نفس النوع يعصف الآن بدول أمريكا اللاتينية, لكن رد الفعل الذي نراه هناك يتخذ الطابع التقليدي المعروف.

يحاول تيري ميسان في مقالته هذه تبيان الفوارق بين تحليل واستراتيجية الرئيس بشار الأسد لصدّ هذا العدوان وبين مقاربة كل من مادورو في فنزويلا وموراليس في بوليفيا لعدوان من نفس الطبيعة.

لا يهدف هذا التحليل إلى إجراء مقارنة أو مفاضلة بين هؤلاء القادة,  بقدر ما هو دعوة للاستفادة من دروس وعبر الحروب الأخيرة..

المقال – بقلم تيري  ميسان:  في شهر أيار, 2017, ظهر تيري ميسان على شاشة روسيا اليوم  ليشرح كيف أن النخب الفكرية في أمريكا اللاتينية  مخطئة في مقاربتها للنضال ضد الامبريالية الأمريكية, مشدداً على أن هناك تغييراً كبير قد حصل في الطريقة التي تدير بها الولايات المتحدة صراعاتها المسلحة وأن علينا بالتالي أن نعيد التفكير جذرياً بكيفية الدفاع عن بلداننا..

عملية تقويض فنزويلا مستمرة. المرحلة الأولى عبارة عن عصابات ذات طابع عنفي قامت بالتظاهر ضد الحكومة وقتلت عدداً من المارة المسالمين الذين لا علاقة لهم بالأحداث, كما لو أن المواطنة لم تخلق أي رابط بينهما.

في المرحلة الثانية  يقوم مورّدو الأغذية الكبار بافتعال أزمة ينتج عنها نقص حاد في المواد الغذائية يؤدي إلى فقدانها من الأسواق والمحلات..ثم استتبع ذلك قيام بعض أعضاء من هذه الجماعات المسلحة بالاعتداء على عدد من الوزراء ونادوا بإطلاق  تمرد واسع  وانكفأوا  الآن إلى مخابئهم.  

لا يكفّ الإعلام العالمي . طبعاً, عن تحميل “النظام” المسؤولية عن أحداث القتل التي تمّت أثناء التظاهرات.. لكن الحقيقة هي غير ذلك, إذ تُظهر بعض الفيديوهات أن هؤلاء المتظاهرين قد اغتيلوا عمداً من قبل المتظاهرين أنفسهم. لكن أحداً لا يعير هذه الحقيقة اهتماماً.. ويحاولون الآن تصوير مادورو على أنه “ديكتاتور” كما فعلوا سابقاً في كل من سورية وليبيا.

استغلت الولايات المتحدة منظمة الدول الأمريكية ( أواس )  كذراع  ضاربة ضد  الرئيس مادورو تماماً مثلما فعلت من قبل مع الجامعة العربية حين استخدمتها ضد الرئيس الأسد.

كراكاس, لم تنتظر قرار إبعادها, بل أدانت هذه الخطوة وانسحبت من المنظمة من تلقاء نفسها، فريق الرئيس مادورو لم يقتد بنهج الرئيس الأسد. فريق مادورو يظن أن الوضع في سورية يختلف عن فنزويلا وأن المقارنة بين ما يحدث في كل من البلدين غير واردة.

الولايات المتحدة, وهي القوة الرأسمالية الرئيسية, تهاجم فنزويلا لسرقة نفطها وفق خطة يتم تنفيذها مراراً وتكراراً في الماضي وفي طول وعرض قارات ثلاث..وجهة النظر هذه اكتسبت زخماً جديداً بعد الخطاب الذي ألقاه مؤخراً رئيس بوليفيا حول الموضوع.

لكن دعونا نتذكر أن هذه كانت وجهة نظر قادة كثر في الشرق الأوسط وكذلك رأى بعض مستشاري الرئيس الأسد.

اعتقدوا أن الولايات المتحدة سوف تهاجم تباعاً كل من أفغانستان ثم العراق وبعدها تونس ومصر وليبيا وسورية.  لماذا؟  فقط لقلب الأنظمة المناهضة للامبريالية وللسيطرة على مصادر الثروات الهيدروكاروبنية في الشرق الأوسط الكبير.

ما يزال بعض الكتاب المناهضين للامبريالية يتمسكون بهذه النظرية حتى الآن . لذ نراهم على سبيل المثال, يحاولون تفسير الحرب على سورية من خلال  الإشارة إلى فشل مشروع تمرير خط الغاز القطري عبر سورية.

تبيّن الآن خطأ هذا النوع من التفكير وأن هذا التحليل كان خاطئاً.. الولايات المتحدة لا تحاول عكس مسار الحكومات التقدمية في كل من سورية وليبيا ولا سرقة موارد المنطقة من النفط والغاز وحسب. هدفها هو سحق الدول وإعادة شعوبها إلى عصور ما قبل التاريخ حيث لم يكن يحب الإنسان جاره كما أحبه الله بل  ينقض عليه كما ينقض الذئب على الإنسان.

هل جلبت الإطاحة بنظامي صدام حسين والقذافي أي سلام إلى هاتين الدولتين؟ كلا.. الحروب ما تزال مستعرة حتى الآن  بالرغم من أن حكومة موالية للاحتلال قد تم تنصيبها في العراق تلتها حكومة مؤلفة من عناصر متعاونة مع باقي حكومات المنطقة بمن فيها تلك الموالية للامبريالية والمناوئة للاستقلال الوطني.

مع ذلك ما تزال الحروب مستمرة.. ممّا يؤكد أن هدف لندن وواشنطن ليس الإطاحة بهذه الأنظمة ولا جلب الديمقراطية بل تصفية شعوب هذه الدول. هذه ملاحظة أساسية تصدم فهمنا للامبريالية المعاصرة..

هذه الإستراتيجية الجديدة كلياً يقوم بتدريسها توماس بي. إم.  بارنيت بعد أحداث أيلول عام 2001. وقد تم الكشف عنها وفضحها على الملأ في آذار عام 2003 أي قبيل الحرب على العراق وذلك في مقال نشر في الايسكواير (Esquire) بعنوان: البنتاغون- الخريطة الجديدة.

على أية حال, بدت تلك الإستراتيجية متوحشة لدرجة أن أحداً لم يصدق أنها يمكن أن تطبق فعلياً على أرض الواقع.

تحاول الامبريالية تقسيم العالم إلى قسمين. القسم الأول سيكون منطقة مستقرة تستفيد من المنظومة القائمة بينما تسود الفوضى المرعبة القسم الآخر.

هذا “الآخر” سيكون منطقة نزعت منها أية فكرة أو مجرد محاولة التفكير بالمقاومة.. حيث يكون الهم الوحيد لقاطنيها هو الاستمرار بالحياة.. منطقة تستطيع الشركات متعددة الجنسية أن تستخرج منها كل ما تشاء أو تحتاج إليه من مواد خام  دون أدنى مسؤولية أو التزامات تجاه أحد على الإطلاق.

منذ القرن الثامن عشر, وفي أعقاب الحرب الأهلية البريطانية كان التفكير السائد للتنمية الغربية يقوم على أساس محاولة القيام بأي شيء للحيلولة دون حدث  الفوضى.. علمنا توماس هوبس أن ندعم تفكير الدولة لتجنب المجازفة بتكرار مثل  الفواجع مرة أخرى..

فكرة الفوضى لم تعد إلى الفكر السياسي إلا مع ليو شتراوس بعد الحرب العالمية الثانية. هذا الفيلسوف الذي درّب شخصياً عدداً من الشخصيات داخل البنتاغون, ارتأى أن يبني نمطاً جديداً من القوة من خلال  إغراق جزء من العالم في الجحيم..

الجهادية التي أطلقت من عقالها على الشرق الأوسط الكبير جعلتنا نرى بأم أعيننا كيف تكون الفوضى. عندما تصرف الرئيس الأسد , كما هو متوقع, رداً على أحداث درعا في آذار ونيسان عام 2011 من خلال إرسال جيشه ضد الجهاديين في الجامع العمري, كان أول شخص يدرك حقيقة ما يجري..

وبدل أن يعزز قدرات قواته  للحفاظ على الأمن وصد العدوان الخارجي, قام بتزويد شعبه بالوسائل الضرورية للدفاع عن بلدهم..

فقام قبل كل شيء برفع حالة الطوارئ وحل المحاكم الاستثنائية وحرر التواصل عبر الانترنت ومنع القوات المسلحة من القيام بأي شيء يمكن له أن يعرّض حياة المدنيين الأبرياء للخطر.

عندما اتخذ الرئيس الأسد هذه القرارات , بدا واضحاً أنه لم يكن يسير مع التيار..وكانت هذه القرارات محمّلة بالتبعات..

فعلى سبيل المثال, عندما حصل اعتداء على قافلة عسكرية قرب بانياس, أحجم الجنود عن استخدام أسلحتهم دفاعاً عن النفس وفضلوا أن  يتعرضوا لاعتداء مهاجميهم وأن يدفعوا في بعض الأحيان حياتهم ثمناً لذلك على أن يخاطروا بجرح أو إصابة السكان الذين كانوا ينظرون ويشهدون على ما يجري دون أن يتدخلوا..

ككثيرين غيري يومها, ظننت أن الرئيس الأسد ضعيف جداً وأن جنوده أوفياء له وموالون أكثر ممّا ينبغي.. ظننت أن سورية في طريقها إلى السقوط.. لكن الآن وبعد ست سنوات من الحرب.

من الواضح أن الرئيس الأسد والقوات المسلحة السورية قد فازت بالتحدي.. وبينما كان الجنود يناضلون وحدهم في البداية ضد العدوان الخارجي, بدأ جميع المواطنين وبالتدريج يلتحقون بهم للدفاع عن بلدهم.. هؤلاء الذين لم  يكونوا قادرين أو كانوا غير راغبين بالمقاومة ذهبوا إلى المنافي .

من الواضح أن الشعب السوري عانى كثيراً..هذا صحيح.. لكن الصحيح أيضاً هو أن سورية هي الدولة الوحيدة في العالم منذ حرب فيتنام التي قاومت حتى تعبت الامبريالية ذاتها وسئمت واستسلمت..

الشعب السوري رأى بنفسه أن الجمهورية وحدها هي من اضطلعت بمسؤولية القيام بإطعامهم وحمايتهم.

في خطاب ألقاه في الثاني عشر من كانون الأول عام 2012, أشار الأسد إلى نيته إعادة صياغة الوحدة السياسية لبلاده.

وأشار بشكل خاص إلى الحاجة إلى كتابة دستور جديد يتم طرحه على الشعب لينال ثقة الغالبية العظمى من الشعب ليتم الانتقال بعد ذلك إلى انتخاب مسؤولي الدولة ومؤسساتها بطريقة ديمقراطية, بما في ذلك انتخاب رئيس الجمهورية..

في ذلك الوقت, سخر الغربيون من دعوة الرئيس الأسد للانتخابات بينما كانت البلاد في خضمّ حرب شرسة ودامية.. اليوم جميع الدبلوماسيين المنخرطون في حل هذا النزاع, بما في ذلك مسؤولي الأمم المتحدة, يدعمون خطة الأسد.

في أشـدّ الأوقات حلكة وحتى عندما كان الجهاديون يجوبون شوارع المدن والساحات ويقتلون السياسيين ويقتحمون بيوتهم  كان الرئيس الأسد يشجع على الحوار مع الوطنيين الذين يعارضونه.

فضمن أمن وسلامة  الليبرالي حسن النوري والماركسي ماهر الحجار بحيث تمكنا من المخاطرة وقدما نفسيهما كمرشحين للانتخابات الرئاسية  في شهر حزيران عام 2014.

وبالرغم من مقاطعة الإخوان المسلمين وبالرغم من إرهاب الجهاديين وبالرغم من أن الملايين من السوريين كانوا خارج البلاد, وصل عدد الناخبين من بين ما تبقى في البلاد إلى 73,42 بالمائة.

وبالطريقة ذاتها, أنشأ منذ بداية الحرب وزارة للمصالحة الوطنية. وهذا شيء لم نرَ مثيلا له من قبل في دولة ما تزال  نيران الحرب مستعرة فيها.. سلم الرئيس الأسد مهام هذه الوزارة إلى علي حيدر , رئيس  الحزب القومي الاجتماعي وهو من الأحزاب الحليفة.. تفاوض مع الكثيرين وأنجز آلاف الاتفاقيات آخذاً بالحسبان مرسوم العفو عن المواطنين الذين حملوا السلاح ضد الجمهورية وأعادهم إلى حضن الوطن ليعاد دمجهم بالمجتمع وبالجيش العربي السوري.

خلال هذه الحرب, لم يستخدم الرئيس الأسد القوة ضد شعبه أبداً..هذه هي الحقيقة بالرغم من ادعاءات أولئك الذين يتهمونه بانتشار التعذيب..

لذا دعونا نتحدث بوضوح هنا: هو لم يقم أبداً بإعدامات جماعية ولا بتجنيد قسري.. فقد كان دائماً بمقدور الشاب أن يتجنب واجب الخدمة العسكرية.

فالإجراءات الإدارية تسمح للمواطن الذكر أن يتفادى الخدمة الوطنية إن لم يكن يرغب بالدفاع عن بلده من خلال حمل السلاح.. فقط المهاجرون الذين لم تتح لهم فرصة متابعة هذه الإجراءات قد يجدون أنفسهم في مخالفة واضحة لهذه القوانين.

على مدى ست سنوات, لم يطلب الرئيس الأسد من شعبه أبداً التوقف عن إلقاء المزيد من المسؤوليات والأعباء على كاهله، من جهة. ومن جهة أخرى كان يحاول إطعامهم وحمايتهم بقدر استطاعته..كان دائماً يخاطر بالعطاء قبل أن يأخذ شيئاً.. لهذا السبب نراه اليوم قد كسب ثقة شعبه ويمكنه الاعتماد على دعمهم الفعّال..

نُخب أمريكا الجنوبية مخطئة في اتباع نهج النضال الذي كان سائداً على مدى العقود الماضية من أجل توزيع أكثر عدلاً وإنصافاً للثروة..المعركة التي ينبغي عليهم أن يركزوا جهودهم عليها لم تعد بعد الآن معركة بين غالبية عظمى من الناس وقلة قليلة من الأثرياء ذوي الحظوة الذين يشكلون تشكل طبقة صغيرة في المجتمع.

الخيار اليوم أمام شعوب الشرق الأوسط الكبير وشعوب أمريكا الجنوبية هي التالي: لا خيار لكم  فإما الدفاع عن بلدانكم أو الموت.. الحقائق أثبتت ذلك.. الأولوية الأولى للامبريالية اليوم لم تعد نهب الثروات الطبيعية.

الامبريالية عديمة الأخلاق تسيطر اليوم على العالم.. ومع ذلك فإن جشعها توسع اليوم ليصبح مسح الناس من الوجود وتدمير المجتمعات في المناطق التي حددتها سلفاً كمناطق لاستغلال ثرواتها..في هذه الحقبة الحديدية. إستراتيجية الأسد وحدها هي التي تسمح لنا  بأن نسير أحراراً شامخين..

المصدر: فولتير نت-ترجمها للعربية (زينب صالح).

                                                                          

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz