النصـر يــدق بيوتنـــا

بقلـــم : ” نـارام سرجـون “

لطالما انتظرنا النصر كما ننتظر غائباً وحبيباً وأباً وولداً، ولكن للفرح مشاكله أيضاً إن لم نستعد جيداً بالعقل والمنطق والقلب المفتوح والحسابات الدقيقة، فحتى الفرح والنصر يجب توخي الحذر منهما لأن النشوة قد تدفع المسرور إلى التهور والى المغامرة ربما سيكون من أهم النقاشات التي ستدخل بيوتنا منذ اليوم هي تلك النقاشات حول العفو والغفران ومسامحة من أخطأ وغدر وخان.

سنختلف في نهاية الحرب مثلما اختلفنا في بداية الحرب، في بداية الحرب انقسمنا إلى وطنيين والى غير وطنيين فقط. وفي النصر سينقسم الوطنيون إلى وطنيين وتحت وطنيين وفوق وطنيين وسوبر وطنيين. وخاصة بشأن التعامل مع ملف العائدين إلى حضن الوطن، لأن هناك من يرى أن هؤلاء لا يستحقون الوطن وهناك من يرى أن الوطن يتسع للجميع وأن قلب الوطن كبير كقلب الأم وقلب الأب، وأن من الحكمة أن يعفو الأب عن الابن الضال ويمنحه فرصة  خاصة أن عملية خبيثة من التضليل جرت لحرف الناس عن صوابها وإقناعها أنها بانشقاقها فإنها تمارس واجباً أخلاقياً وطنياً.

وبعض الناس جرفها التيار وبعضهم مشى مع القطيع، وبعضهم طمع وبعضهم انتهز الفرصة لينتقم انتقاماته الشخصية، وهناك حالات لا حصر لها من الاحتمالات الواقعية ..

وفي هذا الشأن الخلاف سيكون كبيراً في جلساتنا وسهراتنا واجتماعاتنا .. لأنه كما سمعت سيتدفق إلى أبواب دمشق الكثيرون من التائبين النادمين الباكين بحرقة والذين فرموا أصابعهم بأسنانهم ندماً وهم يطرقون الأبواب وكانوا قبل سنتين فقط يطرقون أبواب أمريكا وبريطانيا وفرنسا والسعودية والخليج المحتل يطلبون تدمير الجيش السوري وتكرار سيناريو العراق بحذافيره وسيناريو ليبيا بحذافيره.

وبعضهم دافع عن النصرة وكأن أولئك القتلة كانوا تحت قيادة “تشي غيفارا” وليسوا تحت راية القاعدة والجولاني، وبعضهم لم يمانع أن تذبح داعش الجنود السوريين بل ونشر الصور منتشياً وشامتاً ومهللاً ومكبراً، فهل نغفر لهؤلاء؟.

الأمر معقد كثيراً، وأحيانا يبدو أن مجرد النظر فيه خيانة عظمى للشهداء ولكل الدم المراق من كل الأطراف، الذي يتحمّل مسؤوليته أولئك المنشقون الهاربون الذين استخدموا شهرتهم لإهانة الوطن وإهانة الجيش السوري العظيم وللترويج لقصص الكيماوي وكل القصص الخرافية التي صنعتها الماكينة الإعلامية للغرب ..

واليوم جميع هؤلاء العائدين إلى حضن الوطن سقطت سيوفهم التي رفعوها، سقط منهم سيف الناتو وسيف الخليج وسيف الإرهاب، وسيف إسرائيل وكل سيوف الغدر والاستعمار.

ولكن هل يستوي الجميع في هذا الميزان؟ ولكننا لا نقدر على أن نرى بعض الوجوه المهاجرة المعارضة التي كانت غلاف الدعاية والبروباغاندا السوداء وكانت تنفق وتعيش ببذخ في الفنادق وتتقاضى رواتبها من دول النفط، ويغردون كل يوم على العربية والجزيرة ولهم صولات وجولات كذب براح في كل إعلام العالم وكل برامجه ولقاءاته، وهؤلاء لا يستحقون منا إلا الاحتقار والازدراء والنفي .

ولكننا هنا يجب أن نبدأ حوارات النصر لأن قضايا النصر أكثر تعقيداً من قضايا الهزيمة بل إن للهزيمة قضية واحدة فقط هي الهزيمة، مثلها مثل الإفلاس، أما النصر فإنه انجاز وربح وكسب كبير يجب إدارته بحكمة شديدة وأن كل أوقية من النصر تحتاج إلى قنطار من العقل ليديرها بحكمة.

فنحن أمام قضية اجتماعية وسياسية وقضية مستقبل ويجب أن تخضع للمنطق العلمي والأخلاقي والوطني لأن أي خطأ في الحسابات قد ندفع ثمنه اليوم أو غداً أو يعيد أبناؤنا دفع ذات الثمن الباهظ، لأن التساهل في شأن الخيانة الوطنية سيفتح الباب واسعاً أمام اجتهادات نحو الطعن بالوطن تحت مبررات شتى خاصة أنه إذا صارت الخيانة الوطنية بلا عقاب وتنتهي بعبارة (أنا آسف).

كل هذا قد يهون، ولكن شيئاً واحداً عظيماً يجعلنا ننحني بتذلل أمامه إنه دماء رفاقنا وأصدقائنا وشهدائنا .. فكم هو صعب أن تغفر، وكم هو صعب ألا تغفر، وأنت لا تدري ..

 

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz