العلمانيـة، الدين السياسي ونقـد الفكـر الدينـي

بقلــم جعفر المظفر 

من الخطأ القول أن العلمانية تحمي الدين من السياسة بل الأصحّ أن الإثنين سيحميان نفسيهما فيما إذا لم يقترب الواحد من الآخر، خذوا تاريخ الدولة العراقية المعاصرة سوف تجدون على المستوى الأخلاقي أن سياسيي الإسلام هم الذين تسببوا بالضرر للسياسة قبل أن تكون السياسة هي من تسبّب بالضرر للدين.

ولا تقولوا لي أن السياسة هي بطبيعتها لا أخلاقية لأن هذا هو قول الجهلة الذين لا يدركون أن السياسة هي قائدة لعلوم بناء الدولة والمجتمع, وإن من يقول بفساد السياسة يهمّه بالدرجة الأولى أن يخرج فساده الأخلاقي من كونه ذا استعدادات شخصية ومنشأ ذاتي ليكون تصرفه هذا أشبه بطريقة تبييض الأموال التي تأتيه من سوق النخاسة وبيع المخدرات.

إن فساد نصف قرن من الدولة العراقية المدنية التي كانت تأسست في العشرينات من القرن الماضي يتغلّب عليه فساد يوم واحد من عمر دولة الإسلام السياسي الطائفي الحالية التي تأسست بعد 2003.

فلماذا صار علينا أن نصدّق أن السياسة هي بطبيعتها عبارة عن نفاق وانحراف ودجل وكذب وتزوير وأن الأمر لا علاقة له بنوع الرجال والمناهج التي تحترف السياسة فتنحرف بها أهدافاً وممارسات.

الحقيقة أن السياسة, كما هو شأن أي نشاط حياتي آخر, تتوسّخ حينما يمارسها الدجالون واللصوص والمنحرفون… إذ لا شيء يمكن أن يبقى نقياً صافياً صادقاً حينما يقترب منه هؤلاء.

ويأتي بعد ذلك البعض ليقول لك أن عالم السياسة هو بطبيعته عالم وسخ وأن الطريقة الصحيحة لإنقاذ الدين هو إبعادها عنه، بينما أكدت كل الوقائع أن ذلك ليس صحيحاً بالمرة, وأن الطرفين سيكونان في حرز أمين حينما يبتعدان عن بعض  والعلمانية هي من يتكفل بذلك حينما تؤكد على أن الدين والسياسة هما عالمان مختلفان لا يفسدان إلا بالتمازج وأن الفساد هنا لا علاقة له بالتكوين الذاتي لأحدهما بل بالمركّب الذي ينتج من تفاعل مكونين لا علاقة عضوية لأحدهما مع الآخر.

 

  • المصدر ” الحوار المتمدن “

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz