الثقافة تستنهض الدبلوماسية

بقلـم ” خليل الرقيـق”

كلّما استعاد الفعل الثقافي التنويري زمام المبادرة كلّما انفتحت الأبواب المغلقة… ولعلّنا الأحوج في المنطقة العربية المنكوبة بزحف تكفيري هو الأخطر من نوعه في تاريخنا المعاصر، إلى مثقفين من طراز خاص يزرعون أمل الخلاص في قلب المحنة …

كان الشعور طافحاً بالفخر الوطني والقومي حين استقبلت تونس فعاليات الأسبوع الثقافي السوري وفتحت شارع بورقيبة العظيم أمام القادمين من دمشق بمعرض كتاب ومعرض منتوجات تقليدية ثم فتحت كامل ترابها لاستقبال المسرح السوري والطرب الحلبي…

كان جسر الفكر حاضراً لِجَسْرِ الهوّة المفتعلة بمَكْرٍ من صانعي نكبة العرب، وكان استقبال صفاقس والصخيرة وقابس للضيوف الأشقاء أشبه برسالة قوية اللهجة إلى الغرفة الإخوانية المظلمة التي أعلنت قطيعة الإكراه بين البلدين الشقيقين.

قادمين من مهد الانتصارات الكبرى على الدواعش والإخوان، أصرّ السوريّون على إهداء روح ملحمة حلب ودير الزور إلى شرفاء تونس، وأبلغوا بعرض «وجوه أَحِــنّ لرؤيتها» عن مأساة الإنسان حين يتحوّل من كائن آمن حالم برغد الحياة إلى ضحيّة حرب قذرة دُبّرت في ليل المؤامرة الاستعمارية الإخوانيّة…

وأنت تشاهد الثقافة تؤرخ للآلام والآمال، تذكر ولا شك أنّ تونس وسوريا يتقاسمان معاً ولو بدرجات متفاوتة لحظة الإكتواء بسكّين الغدر الظلامي لكنّك حين ترمق شارع بورقيبة الرمز موشّحاً بأعلام سوريا، ستدرك أنّ القادم أفضل وبأنّ تونس ” علي بن عياد ” وسوريا ” دريد لحّام ” هما الأبقى وبأنّ تونس ” الشابّي ” وسوريا ” نزار قبّاني ” هما الأرقى ، وكلّ ما عدا ذلك قشور تذروها الرياح…

شارع بورقيبة الذي استُبيح ذات خريف ظلاميّ بغزوة السلفيين المدججين بالأعلام السوداء، كان هذا الأسبوع في أبهى حلله العقلانية، متسامحاً مفتوحاً على الكتاب والكلمة والأغنية، مفتوحاً على الحياة… ربّما مرّت عليه ذات يوم نكبة وطنية شاملة ألوان من الأذى الشامل…

وربّما رأى من الأهوال ما تنوء بحمله الجبال… ربّما ضجر يوماً كما ضجر الناس من غبار «العابرين بين الكلمات العابرة» لكنّه يظلّ دائماً شارع بورقيبة إنّه منذور لثورة العقل.

ولأنّه كذلك سيكون حاضنة الثقافة التي ستكون بدورها المقدّمة المدنية الراقية لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين تونس وسوريا… ستكون الثقافة قاطرة السياسة… ولا بأس إن كان شيطان الظلام ساكناً في بعض زوايانا القضيّة، متحفزاً للإيقاع بنا من خلال الإيقاع بالثقافة.

لا بأس لأننا ندرك أن العالم أصبح يتكلّم لغة أخرى غير لغة الإخوان، ويستشرف دبلوماسية أخرى غير دبلوماسية المرزوقي… ومن هم هؤلاء أصلاً أمام صرح الحضارة الذي بنته تونس وبنته سوريا؟

من هم هؤلاء أصلاً ؟ وصفة مريضة لعقل استعماري مريض، جاءت لتُقـسّم الشعوب وتنشـر الخراب فاندحرت غير مأسوف عليها وتشرّدت في الفضاء الجيوسياسي باحثة عن مأوى…

اليوم تطلّ الثقافة لتصل ما انقطع وتُصلح ما انكسر واليوم سيعلم الذين قطعوا العلاقات في الليل، أنها ستعود في وهج الشمس الساطع بإرادة شعب أراد الحياة…

اليوم ينطلق صوت مواطنين من تونس ودمشق طالباً التسريع في إعادة العلاقات الدبلوماسية بين تونس وسوريا… ولا عزاء لمن التحفوا بالأساطير والشعوذة، لا عزاء لمن كانوا «رؤساء» برتبة عملاء، في زحمة «ربيع» مصطنع، لا عزاء لمن كانوا «جهاديين» برتبة مجرمين في ساحة حرب قذرة…

في أسبوع ثقافي مرّت ليالي الشام بتونس لتُبرق إلى المجتمع الدولي برسالة انتصار كبير على المؤامرة ولتُرسل إلى أصحاب الشأن دعوة لترجمة عمق العلاقة الحضارية إلى علاقة دبلوماسية متينة.

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz