الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وتداعياته

يبدو أن مُعظم المَسؤولين الغَربيين، والأمريكيين خُصوصاً، يُصبحون أكثر حِكمةً وتَعقّلاً، عندما يُغادرون مَراكزهم الرسميّة في دُولهم.

ففي إضاءة على المقال الذي كَتبه “جون كيري” ، في صحيفة “واشنطن بوست”،  والذي شنّ فيه هُجوماً شَرساً على الرئيس دونالد ترامب، وقال فيه أنه لا يَجب أن يكون الاتفاق النووي “لعبة” في يديه حِفاظًاً على الأمن القَومي الأمريكي.

إن مقال الوزير كيري في “الواشنطن بوست”، جاء متزامناً مع تهديدات السيد “جواد ظريف” بأنّ بلاده سَوف تستأنف تخصيب اليورانيوم وبمُعدّلات عالية (أكثر من عشرين في المئة) إذا انسحبت أمريكا من الاتفاق النووي وطالب الدّول الأوروبيّة (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) بتجاهل هذا الانسحاب واستمرار التمسّك بالاتفاق.

فردّ الفِعل الأوروبي على أيّ انسحابٍ أمريكي من الاتفاق سيكون على درجةٍ كبيرةٍ من الأهميّة لعدّة أسباب نُوجزها كما يلي:

  • أولاً: مُعارضة الدّول الأوروبيّة الثّلاث، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، للانسحاب من الاتفاق وتمسّكها به، يَعني حُدوث طلاقٍ سياسيٍّ بينها وبين الولايات المتحدة، وإدارة ترامب تحديداً، وحُدوث شَرخٍ كبيرٍ في المُعسكر الغَربي، وخسارة أمريكا لنُفوذها في أوروبا، وزيادة عُزلتها عالميّاً، لأن مُعظم دُول العالم تُفضّل استمرار الاتفاق وتجنيب المُواجهة.

  • ثانياً: دَعم أوروبا للانسحاب الأمريكي يعني انهيار الاتفاق والوقوف خَلف خيارات الرئيس ترامب السياسيّة، وربّما العَسكريّة ضد إيران، الأمر الذي سَيؤدّي إلى التّصعيد وعَودة الحِصار، وربّما الانزلاق إلى مُواجهةٍ عَسكريّة.

  • ثالثاً: اصطفاف روسيا والصّين خلف إيران، وزيادة تعاونهما العَسكري والتّقني معها، لأن الانسحاب من الاتفاق يَجعلها في حِلّ من أيّ حَرجٍ من جرّاء استمرار هذا التّعاون.

  • رابعاً: إلغاء الاتفاق، أو انسحاب أمريكا منه، سيُعزّز الجناح المُتشدّد في إيران وسيضعف مِصداقيّة الولايات المتحدة كدولةٍ عُظمى تَحترم الاتفاقات التي تُوقّع عليها، ممّا يَزيد التّعاطف الدّولي مع إيران، وعَزل أمريكا دولياً.

إن انعكاسات أيّ قرارٍ أمريكي بالانسحاب من الاتفاق النّووي مع إيران، أو استمرار الالتزام به ستَكون واضحةً، بل على درجةٍ كبيرةٍ من الأهميّة على مَنطقة الشرق الأوسط، ومنطقة الخليج العربي تحديداً وهُناك احتمالان في هذهِ الحالة:

  1. الأول: أن تتراجع إدارة ترامب عن الانسحاب من الاتفاق، وتُغطّي انسحابها بالمُطالبة بتَعديله، وإضافة بندٍ جديدٍ يُطالب بوَقف إيران لتَجاربها الصاروخيّة ، وهذهِ الصّيغة ربّما تَجد بَعض التّجاوب أوروبيّاً، لأنها تَعني تأجيل الأزمة وكَسب الوَقت، الأمر الذي قد يَدفع الدّول الخليجيّة إلى فَتح قَنوات الحِوار مع طهران التي أجهضتها إدارة ترامب.

  2. الثاني: أن تَنسحب أمريكا من الاتفاق كُليّاً، وتُعلن الحَرب السياسيّة، وتَبدأ التّحريض ضد إيران، وتُعيد الحِصار الاقتصادي الذي كان مَفروضاً عليها قبل الاتفاق كاملاً، وهذا يَعني إعلان حرب، وبِدء تَشكيل تحالفٍ سياسيٍّ وعَسكريٍّ ضد إيران، تكون دول الخليج، والسعوديّة والإمارات والبحرين، رأس حِربته الإقليميّة.

لا نَعتقد أن أمريكا “ترامب” ستَكسب هذهِ الحَرب، لأن الظّروف الدوليّة التي سَمحت بغَزو العِراق تغيّرت، أو بالأحرى لم تَعد مَوجودة.. وإيران قُوّةٌ عَسكريّةٌ وصاروخيّةٌ إقليميّةٌ عُظمى قادرةٌ على الرّد على أيّ عُدوانٍ أمريكيٍّ إسرائيليٍّ.

 

 

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz