بعد هدوء ترامب الخادع أي عاصفة ستهب ؟

المباغتة هي هواية دونالد ترامب المحبّبة حيث باغت الإعلاميين قبيل اجتماعه إلى كبار قادة أمريكا العسكريين بقوله : (إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة)!

سُئل: (أيّ عاصفة تعني أيها السيد الرئيس؟)، أجاب: (انتظروا، وسوف ترون).

أهل السياسة والاقتصاد في أمريكا وأوروبا ينتظرون، بقلق، منذ أسابيع وأشهر موقف ترامب من الاتفاق النووي بين إيران ودول مجلس الأمن الخمس الكبرى زائداً ألمانيا. كلّ هؤلاء ومعهم دول العالم جميعاً، باستثناء الولايات المتحدة و«إسرائيل»، راضون عن الاتفاق.

ترامب ينوي، على ما يبدو، إخطار مجلسَيْ الكونغرس عدم رغبته بالمصادقة عليه إلاّ أنه لن ينسحب منه. بذلك تصبح الكرة في ملعب الكونغرس، فهل يكتفي بتشديد العقوبات على إيران أم يتجه إلى وجوب الانسحاب منه؟

لا مصلحة لأمريكا وأوروبا في الخروج من الاتفاق النووي. شركات أوروبية عدّة عقدت اتفاقات صناعية وتجارية ضخمة مع إيران ما حمل قادة الاتحاد الأوروبي على مطالبة ترامب بعدم تقويض الاتفاق.

نائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن دعا ترامب إلى المحافظة عليه لأنّ تقويضه يؤدّي إلى عزلة أميركا. صحيفة «واشنطن بوست» النافذة حذّرت ترامب من أنّ تقويضه يؤدّي إلى صدامٍ بينه وبين حلفائه الأوروبيين.

غير إن صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية كشفت ما بدا أنه السرّ المكنون. حيث قالت إنّ الدافع الأساس لموقف ترامب هو إطلاق حملة دعائية واسعة ضدّ «حزب الله» اللبناني من حيث هو حليف قوي لإيران، بغية «تقويض شرعيته السياسية في لبنان».

هل هذا هو عنوان العاصفة التي توعّد ترامب بإطلاقها بعد الهدوء الخادع الذي ساد مواقفه المتقلّبة مؤخراً؟

لعلّه جزء من العنوان وليس كلّه. ذلك أنّ لترامب، في سياق تركيزه على إيران كخصم رئيس لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة، أغراضاً أخرى في هذا المجال تخدم الكيان الصهيوني.

فقد سبق له أن أعلن أنه بصدد التحضير لـ «صفقة القرن»، ويعني بها إيجاد حلّ للصراع الفلسطيني «الإسرائيلي». وفي سياق مساعيه، أوفد صهره جاريد كوشنير ومساعده الدبلوماسي” جيسون غرينبلات” إلى «إسرائيل» والضفة الغربية لمباشرة اتصالات ومباحثات حول ترتيبات الصفقة الموعودة.

لا نتائج ملموسة، حتى الآن، لمساعي موفدي ترامب. إلاّ انّ تصريحاً لافتاً صدر عن “غرينبلات” إذ دعا الفلسطينيين إلى الاعتراف بـ «إسرائيل» كدولة يهودية.

الواقع أنّ منظمة التحرير كانت اعترفت بـ «إسرائيل» بمجرد توقيعها اتفاق أوسلو العام 1993، لكنها رفضت الاعتراف بها كدولة يهودية لاحقاً لسبب جوهري هو أنّ الاعتراف الملغوم الذي يسعى إليه بنيامين نتنياهو من شأنه تمكين «إسرائيل» من أمرين شديدَيْ الخطورة: عدم السماح للاجئين الفلسطينيين في الشتات بالعودة إلى ديارهم وبيوتهم بدعوى أنهم يهدّدون هوية الدولة اليهودية، وتوفير فرصة لسلطات «إسرائيل» العنصرية لتهجير فلسطينيّي مناطق فلسطين المحتلة العام 1948 بدعوى أنهم لا يعترفون بيهودية الدولة أو يتصرّفون على نحوٍ يسيء إلى هويتها القومية.

ترامب وجماعته يدركون كلّ هذه التحديات والمصاعب. يدركون الآن أنه بعد هزيمة «داعش» و«النصرة» في العراق وسورية، وتضامن العراق وسورية وتركيا وإيران ضدّ مشروع مسعود البرزاني ومؤيديه من الكرد الداعي إلى الانفصال عن العراق لإقامة دولة مستقلة، فقد بات دفع الفلسطينيين إلى تسوية غير متكافئة مع «إسرائيل» أمراً مستبعداً، إنْ لم يكن مستحيلاً. هكذا لا يبقى أمام الفلسطينيين إلاّ خيارٌ واحد: المقاومة الشعبية والمزيدُ منها.

كلّ ذلك يعزز مكانة محور المقاومة ودوله وقواه المقاوِمة ودوره السياسي والعسكري في مواجهة إستراتيجية الولايات المتحدة القديمة، وتلك الجديدة التي وعد ترامب، بكشف خطوطها وأبعادها خلال الأيام القليلة المقبلة.

والعاصفة التي وَعَد ترامب بإطلاقها بعد إنهاء هدوئه الخادع لن تباغت أحداً من خصومه ، ولن تثير إلاّ مزيداً من الغبار…

المصدر ” صحيفة الحياة اللندنية ”      

 

                               

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz