يسألونكَ عن الحربِ والعدوان , والجواب في العمق والأفق معاً

بقلـم د. أحمـد الحاج علي

  • بُني العدوان على منهج التضليل والخداع والموت.

  • الحقائق ثاويةٌ في العمق وما على السطح تبرير وادعاء.

  • الحرب على سورية وفيها ظاهرة العصر وليس مجرد حدث قائم أو عابر.

تُقدّم لنا حالة الرصد للأحداث الكبرى أو تلك التي تقع تحت مسمّى الظواهر الحاكمة والناظمة , تُقدّم لنا منهجاً يقوم على مغادرة السطح وبالتالي مغادرة مناطق التشويش والتضليل إلى حيث الأعماق المؤسسة والمؤثرة وإلى حيث الاحتمالات والمآلات التي سوف تنتجها هذه الظاهرة المتمثلة الآن بالحرب الشاملة على سوريا وفي سوريا.

ويبدو أن الصراع منهجي ومحتدم من خلال الرؤية للحدث بما يوازي الصراع بين أطراف الحدث ذاته وهناك باستمرار كما نتابع نزعة أساسها الخداع والمناورة التي تعتمدها وتطلقها القوى والدول المنتجة للإرهاب والحاضنة له والضامنة لاستمراره بطريقة التغذية المباشرة وإطلاق الادعاءات الكاذبة والمتناقضة في سوق التحليل السياسي وفي مناخ اضطراب الرؤية ولا سيّما عند تلك المواقع التي مازلنا نحتسبها ذيولاً للغرب الأوروبي والأمريكي وبيئات لتنفيذ منهج التضليل في رصد ظاهرة العدوان وفي وضع الحقائق في نصابها وكذلك في إرجاء وإرجاع المسؤولية على من يمارس العدوان لأن هذا المنهج الغربي مبني عضوياً وإعلامياً على تزييف الحقائق وتحويل المعتدي إلى مرجعية للسلام وإنتاج صور رهيبة في تناقضاتها بحيث يصبح الجلاد ضحيّة وتصبح الضحيّة جلاداً عبر نسق محموم من تدبير الوقائع واصطناعها واستخدام تكنولوجيا الإعلام المعاصر لخدمة هذا الغرض والاستعانة قبل هذا وذاك بالنقاط السوداء وبمن يمثلها داخل المجتمعات المستهدفة ولا سيّما أن هذه المناطق السوداء محصّنة بالجهل الثقيل ومهمّشة إلى حدود الأطراف داخل البنية العامة للدولة المستهدفة.

وهنا نرى مقدار وقيمة التركيز على العوامل الاجتماعية السلبية وعلى الطائفية وعلى الشرائح الرخوة أو المهمّشة منذ زمن تطاول حتى كاد أن يضرب على البصائر ويغشي الأبصار, ومن هنا فإن الحقيقة المؤسسة في التعامل مع هذه الحرب تبدو موغلة في عمق العدوان وكذلك هي ممتدة في الأفق السياسي والاجتماعي للمنطقة بكاملها ولأجزاء كثيرة منتشرة ومتناثرة في هذا العالم المنكوب والفاقد لإرادته والذي ما يزال يتثاءب ويتناوب في منطقة الفقر الشديد والتبعية الأشـدّ للمركز الاستعماري.

ولعلّنا في استخراج واستخلاص النتيجة والدرس والعبرة من خلال رصد أعماق هذا العدوان من جهة ومقوّمات الأداء الوطني السوري في كل أبعاده ومساراته يمكٌننا هذا الرصد بأن نقف على الحقيقة وليس بجانبها ولا على أعتابها وهذا المنحى هو الذي يشكّل المعادل الأدبي والسياسي للتفاعل مع وقائع العدوان والتقاط الجوهر في أسبابه وأساليبه وأدواته . إننا بأمسّ الحاجة في الداخل الوطني للتعبير عن منهج يعبّر عن عظمـة الشهـادة والشهداء في وطننا الصامد والمبدع .

يسألونك عن هذه الحرب أيّان مرساها ؟ وفيما نحن من منتهاها ؟ والسؤال عاصف والإجابة عاصفة , ولقد تمرّ لحظات استعصاء في الذهن وهو يتابع توازي لحظات الاستعصاء على الأرض , وهذا كلّه من خصائص هذا الصراع الذي اندفع من كلّ أنحاء العالم علينا والذي لا بد أن تتكرّس نتائجه على بقعة في هذا العالم المضطرب , ويحق لنا بل يتوجّب علينا أن نُعدّل السؤال المفتاح , حيث صاغوه بالأصل على النسق التالي :

كيف استغرق العدوان كلّ هذه السنوات من العذاب والجمر والخطر المباشر, أما آن لسوريا أن تنتهي من قصّة هذا الإرهاب بعد كل هذا الزمن القاسي الأعجف الذي مرّ بها ؟

وهذا السؤال ملغوم لأن السياق الحقيقي هو أن نسأل ويسأل العالم معنا كيف صمدت سورية العربية كلّ هذا الزمن القاسي على مدى سنوات سبع وكيف امتدّ صمودها ليتحوّل إلى نصر قبل أن تتحقق لحظة النصر النهائي.

والتناقض بين السؤالين هو ذاته مساحة الصراع في الموقفين السوري والعالمي, على أنه لا يجوز لنا ولا للآخرين التعاطي مع هذه الحرب بمظاهرها الراهنة أو بتفجيراتها التي لا تنقطـع أبداً ومن هنا فإن الموضوعية تقتضي أن نثبت الحقائق الثلاث التالية:

  1. هذه الحرب ظاهرة وليست مجرد حدث أو واقعة استغرقت زمناً محدوداً ثم غادرت , والظاهرة موصوفة باستمرارها واستقرارها معاً وهذا ما صاغوا العدوان عليه لأن الهدف في الأساس هو تدمير الوطن السوري من الجغرافيا إلى البشر إلى التاريخ إلى المواقف وهذه التوجّهات الاستئصالية سرعان ما تكشّفت أبعادها من خلال ما حشدوا له من مرتزقة استحضروهم من كلّ أصقاع الأرض ومن خلال ما أعدّوا له من قوة في السلاح وغزارة في المال ومناهج تزوير في الإعلام والثقافة , ومن هنا تشكّلت هذه الأنساق المعادية لنا وعلينا والمتمثلة في نسق الدول الحاضنة و البانيـة للإرهـاب وأساسها أمريكا والغرب الأوروبي ونسق القوى والأنظمة الإقليمية في الوطن العربي وعلى مشارفه مثل آل سعود و آل ثاني وتركيا أردوغان وأنظمة أخرى ما تزال وظيفتها قائمة مثل النظام الأردني, ونسق هو الأخطر تبدّى في دور الكيان الصهيوني الذي أنجز بنفسه وبقطعان الساقطين كلّ هذه المحاولات لتدمير متن وفاعلية الجيش العربي السوري ولا سيّما في المطارات وكتائب الصواريخ والدفاع الجوي والألوية المكلفة بالتقاط لحظة الخطر والردّ عليها بما يلزم, كان هذا الجو المظلم والمجرم هو الذي يتشكّل بتواصل بين أجزائه ويستمرّ متعمّقاً بتواتر وانتشار مهامه .

  2. وفي الحقيقة الثانية يعيش العالم كلّه الآن حالة الانكشاف التي لابدّ أن يتبعها حالة الاستحقاق , إن الولايات المتحدة الآن هي التي تقاتلنا وتحاول قتلنا بذاتها بسلاحها الجوي ومشاريعها في رعاية المجرمين ودورها في تأمين الحماية والغطاء لكلّ الفصائل الإرهابية. وفي تضاعيف وتفاعل لحظة الانكشاف والاستحقاق ندرك الآن ماذا يحدث في الخليج العربي من تناقضات ومن انفجارات أملتها طبيعة العدوان وطبائع هذه الأنظمة هناك, إنهم معتدون قتلة منذ البدء وهم موَحـدون وإنهم معتدون وقتلة وهم متناقضون وقد فضَحَ بعضهم البعض الآخر , إن كلّ المسارات تستقرّ الآن على أصولها من جهة وعلى مراميها من جهة أخرى.

  3. كان هذا التطور في مسارات الصراع يؤدّي بالضرورة وبناءً على الأداء الوطني السوري وقدسيـة الشهـادة والشهـداء وصمود الشعب على المكاره والجوع والحصار كان ذلك يؤدّي إلى انبعاث حقيقي مفتوح على النمو وعلى الرسوخ في الموقف الوطني السوري الذي أنجز مهمة ردع العدوان ولجم امتداداته ثم أنجز مهمّة الردّ على الإرهاب وقواه الداعمة إلى أن استقـرّ الأمر على مشاهـد وثوابت تؤكد بأن سورية العربية ذاهبة إلى حيث أهدافها الطبيعية والسيادية وقد اكتمل لها وفيها عامل الصمود وعامل التحرّك الحيوي في مدار المقاومة وعامل ثالث هو هذه المنهجية المسؤولة في إيجاد الصديق والحليف وشريك المصير في سياق متصل .

    إن هذه الحقيقة هي التي تفرض حضورها وتأثيراتها الراهنة والمستقبلية في هذه الأيام , وبمتابعة منفتحة وعادلة لمجمل التطورات التي حدثت في سوريا وعلى سوريا وهي نوعيـة وتاريخية بالتأكيد- نلتقط الحقيقة, أين كنا, أين أصبحنا, أين صرنا وكيف تحقق ذلك كلّه وباختصار أرادوا لنا أن نكون أبناء الموت والهمجية وتمزيق الجسم السوري وأن نتحوّل إلى شهود زور ننقضّ على وطننا ونستدعي شـذّاذ الآفـاق ونمحو ذاكرتنا التاريخية ونتعلق بهلوسة الإسلام السياسي الذي اعتمدوه, و لكن النتائج والمآلات أنتجت معالم عريضة أخرى يدرسها العالم جيداً قبلنا ولربما بعدنا لأننا حتى هذه اللحظة مازلنا نصنف الوقائع ونؤطّرها بالأخبار ولم نقترب بعد من التحليل في العمق لنعرف ذاتنا وقدر ذاتنا وعندها سوف نعود للبدء, هذه الحرب علينا هي محكومة بإرادتنا وقد ولّى زمن التأثير الخارجي ومنتهى هذا العدوان ماثل أمامنا بالانكسار والاندحار .

 

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz