العبرانيـون عبـروا كلّ شـيء إلا جبال دمشـق

بقلم ” نـارام سـرجون “

وثائق سرية من حرب تشرين..  لا تزال أسرار حرب تشرين مقفلاً عليها بالمزاليج الفولاذية .. ولاشكّ أن فيها كثيراً ممّا سيفاجئنا إلى حدّ الدهشة التي قد تُصيبنا بالصدمة .. ففيها لا تزال أشياء لم يُفرج عنها حتى الآن لأن كلّ ما يحدث الآن له علاقة بما جرى في السرّ بين السادات والأمريكيين .. لأن كل ما يحدث منذ 1979 وحتى اليوم سببه غياب مصر ..

فإسرائيل لم تكن قادرة على اجتياح لبنان مرتين في الثمانيات لو أن حدودها الجنوبية منشغلة بالجيش المصري وقلقة من ردّة فعله في ظهرها جنوباً ..

كما أن عاصفة الصحراء لم تكن لتحدث لو أن مصر كانت لا تزال زعيمة للعالم العربي وتمنع عبور أساطيل الغزاة منها..ولم يكن إسقاط بغداد وتمكن دول الخليج من السيطرة على القرار العربي لو كانت مصر بثقلها الناصري الذي كانت عليه قبل كامب ديفيد..

السادات حارب بجيش عبد الناصر التائِـق لثأر حزيران .. وبعقيدة جيش عبد الناصر .. ولكن نتيجة الحرب كانت ضدّ عقيدة عبد الناصر وضدّ جيش مصر .. لأن الجيش المصري لم يحارب من أجل كامب ديفيد .. ولا من أجل المنطقة (أ) الضيّقة في سيناء التي أبقت كلّ سيناء بعدها خالية تماماً من الجيش المصري ..

ولم يبذل الجيش الدم من أجل شيء كان يمكن لمصر أن تناله دون حرب بل أنه عرض على عبد الناصر بشروط أفضل عشرات المرات من شروط كامب ديفيد ولم يقبل به .. إلا أن السادات ذهب إلى الحرب .. ولكنه كان يبيّت شيئاً لم يعرفه أحد في حينها ولكن الوثائق الشحيحة التي بدأت تظهر تفيد بأن الرجل كان جاهزاً للسلام بعد 24 ساعة من بدء الحرب .. وربما قبل الحرب .. وربما ما قبل- قبل- قبل الحرب ..

وذلك بدليل الرسالة التي أُفرج عنها من مراسلات السفارة الأمريكية في القاهرة ووزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن وفيها وثائق موجّهة من وزير الخارجية المصري (حافظ إسماعيل) إلى (هنري كيسنجر) في اليوم التالي للحرب مباشرة يبلغه فيها قرار السادات بأنه لن يتعمّق في الجبهة ..

وهذا يفسّر لنا كيف أن الجيش المصري توقف عن القتال إلى نقطة المضائق حسب الخطة ووفق الاتفاق مع السوريين الذين كان لهجومهم من الشمال الفضل في تشتيت جهد الجيش الإسرائيلي عن القناة لأن قلب فلسطين المحتلة قريب جداً من الجولان على عكس سيناء ولذلك فقد فضّل الإسرائيليون أن يركّزوا جهدهم لإيقاف الهجوم السرّي الذي كان يمكن أن يتدفق في ساعات على الجليل الأعلى ويندفع نحو قلب فلسطين ..

فيما لا يزال على الجيش المصري اجتياز بارليف وسيناء الكبيرة والنقب قبل وصوله إلى أي عمق مهمّ وقاتل للجيش الإسرائيلي ..

ولا يزال العسكريون السوريون لا يعرفون لماذا توقف الجيش المصري لمدّة عشرة أيام فهذا التوقف كان كافياً جداً لأن تتفرّغ كلّ الآلة العسكرية والجوية الإسرائيلية لصدّ هجوم الشمال وتكثفه وتردّه لأنها لسبب ما كانت مطمئنة جداً أن الجيش المصري سيبقى منتظراً ولن يطعنها في الخلف وهي تقاتل بقوات النخبة شمالاً ..

والغريب هو السرعة في تطمين الأمريكيين بأنه سيترك السوريين وحدهم وهو يعلم أن التطمينات ستُنقل للإسرائيليين .. الذين لم يكونوا قادرين على استيعاب الهجوم السوري لو ظلّوا قلقين من استمرار الهجوم المصري .. وبعد عشرة أيام قرّر السادات فجأة تطوير الهجوم إلى المضائق في سيناء ولكن كان الأوان قد فات .. ونجت إسرائيل من هزيمة ساحقة شمالاً .. بل واستردّت أنفاسها بوصول الجسر الجوي ..

وكان تطوير الهجوم المصري الذي أمر به السادات ضدّ رغبة العسكريين المصريين هو السبب في ثغرة الدفرسوار وبقية القصة .. حيث تدفقت إسرائيل من ثغرة الدفرسوار إلى كل العالم العربي .. لأن كامب ديفيد دخلت منها .. ومنها دخلت أوسلو .. ووادي عربة .. وحرب لبنان .. وسقوط بغداد .. وطرابلس وعدن .. وتهديد سورية من قبل إسرائيل وتركيا ..

وطبعاً الإعلام العربي لا يكترث بهذه الوثائق الدامغة بل لا يزال يحكي لنا أساطيره الخرافية عن بيع الجولان ببضعة ملايين من الدولارات وكرسي الحكم .. رغم أن العالم كلّه فشل في التقاط أي وثيقة عن بيع الجولان .

لكن العرب لا يذكرون الوثائق الأمريكية والمصرية التي تتسرب بين حين وحين عن تلاعب السادات بمسير الحرب .. ولا يذكرون وثيقة أخطر عن الملك حسين (مستر بيف) التي تقول بأن الملك الذي كان يحكم الضفة الغربية عام 67 كان جاسوساً يتقاضى راتباً من السي آي إيه..

ولا ندري كم سننتظر لتخرج الوثيقة التالية التي ستقول بأن السادات أبلغ الأمريكيين أنه سيطوّر الهجوم بعد 10 أيام كي ينقلوا ذلك للإسرائيليين كي ينتبه ارئيل شارون ويلتقط الإشارة بأن تطوير الهجوم يعني أنه سيتسبّب بثغرة ..

وعليه انتظار الثغرة الأهم في تاريخ بني إسرائيل منذ زمن سليمان وداود .. فمنها عبر بنو إسرائيل إلى اجتياح بيروت .. ومنها عبروا إلى أوسلو .. والى عواصم الخليج ومنها عبروا إلى بغداد يوم 9 نيسان ..وكادوا أن يعبروا إلى دمشق في عام 2011 ..ولذلك سمّوا بالعبرانيين لعبورهم ثغرة الدفرسوار إلى العالم العربي كلّه وليس لعبورهم نهر الأردن ..

ولو أنجزوا أهمّ عبور لهم إلى دمشق لكانوا العبرانيين الأعظم في تاريخ بني إسرائيل لأنهم سيربطون المنطقة من الفرات إلى النيل ..ولكن هيهات..لكل القصص نهايات مختلفة عندما تحاول العبور من دمشق ..

ومـن لم يعبـر مـن دمشـق فكأنـه لـم يعبـر ..ولـو عبـر المحيطـات ..وكـلّ الدنيــا.

المصـدر ” shaamtimes”   

                                

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz