صمود الأمم وهزيمة الاستعمار

لعلّ من أجمل ما قاله الجنرال الفيتنامي ” جياب ” وينعكس على الأحداث الراهنة في المنطقة ما يلي: ” إن كلّ محاولة لمواجهة شعب أمّـة أخرى وكل مؤامرة تهدف إلى التعدّي على أمّـة وعلى سيادتها واستقلالها تُهزم .”

في عام 1995، في ذكرى مرور عشرين عاماً على نهاية حرب فيتنام، حدث هذا اللقاء الفريد في هانوي. حيث التقى ” روبرت مكنمارا ” وزير الدفاع الأمريكي أثناء الحرب الفيتنامية مع القائد الأسطورة لقوات التحرير الفيتنامية الجنرال  ” جياب” ، لقاء بين قائد مهزوم وقائد منتصر، الجنرال جياب هزم قوتين استعماريتين كبيرتين في غضون عشرين عاماً. هزم القوة الاستعمارية الفرنسية في مايو عام 1954عندما استسلمت له القوات الفرنسية في معركة (ديان بيان فو) الشهيرة بعد حصار استمـرّ لستة وخمسين يوماً. وهزم القوة الاستعمارية الأمريكية وأجبرها على الرحيل منكسرة عام1975. لكن كيف تأتّى لشعب فيتنام وقواته أن يُلحـق الهزيمة بقوة عظمى مثل فرنسا، ثم بأمريكا على الرغم من الفارق الرهيـب في القوّة والتسليـح ؟

أثناء اللقاء، أعطى الجنرال جياب لروبرت مكنمارا درساً بسيطاً في كلمات قليلة، درس في تفسير النصر الفيتنامي والهزيمة الأمريكية، قال له ببساطة: ” أمريكا دخلت الحرب دون أن تعرف أيّ شيء عن تاريخ فيتنام والشعب الفيتنامي. لم تعرف أي شيء عن ثقافة الفيتناميين وروحهم الوطنية والقتالية ضدّ موجات الغُزاة الأجانب”.

هذا هو السرّ، أمريكا دخلت حرب فيتنام بمزيج من الجهل المريع بفيتنام وتاريخ وحضارة شعبها ومن العنجهية والغطرسة. دخلت الحرب وهي لا تعرف إلا لغة القوة الباطشة والذبح والإبادة، وظنّت أن هذا وحده كفيل بهزيمة الفيتناميين. ظنّت أمريكا أن الحرب ما هي إلا مواجهة بين قوّة عسكرية وقوّة عسكرية أخرى، بين قوّة عسكرية أمريكية ضاربة تملك أحدث ما في العالم من عتاد وأسلحة دمار، وقوّة عسكرية متواضعة يملكها المقاتلون الفيتناميون.

لم تدرك ولن تدرك أمريكا أن الحرب هي في جوهرها صراع بين إرادتين. إرادة قوة احتلال استعمارية باطشة، وإرادة شعب له تاريخ وحضارة وتدفعه روح وطنية جبّارة من أجل تحرير وطنه. ويكفي أن نعرف على سبيل المثال فقط أن القوات الأمريكية استخدمت أثناء الحرب (6.5) ملايين طن من القنابل، و(400) ألف طن من النابالم، و(11.2) مليون جالون ممّا سمّي بـ ” العنصر البرتقالي” وهي مادة كيماوية سامّة استُخدمت لإبادة الغابات والمزارع التي يختبئ فيها المقاتلون الفيتناميون، ومازال الفيتناميون حتى اليوم يعانون بسببها من أمراض السرطان وتشوّهات المواليد.

ثمن فادح دفعه الشعب الفيتنامي في دفاعه عن وطنه في مواجهة جرائم الإرهاب والإبادة الأمريكية. وعلى الرغم من كلّ هذه الوحشية الأمريكية انتهت الحرب بالهزيمة المذلّـة لأمريكا وقواتها وبعقدة للشعب الأمريكي كلّه لم يفلح معها أي علاج حتى يومنا هذا. والسرّ يكمن في الدرس الذي لقّنه الجنرال ” جياب ” لــ ” مكنمارا “، هو ليس درس النصر والهزيمة في فيتنام وحدها. هو درس التاريخ كله. والغريب في الأمر أنه رغم كلّ ما جرى لأمريكا في فيتنام إلا أنها لم تتعلّم الدرس لا في العراق ولا سورية.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz