الوعـي القانـونـي فـي مكافحـة الجريمـة المعلوماتيـة

بقلـم د. تميــم ميكائيـل

خصوصيـة جريمـة الاحتيـال الالكترونـي

نتيجة التطور التكنولوجي في العالم تتسم الجريمة الالكترونية بسهولة وخطورة ارتكابها, مع إقبال الكثير من المجرمين الخطيرين إلى استثمار الوسائل الالكترونية الحديثة في ارتكاب أخطر الجرائم, والتي في قسم كبير منها تعتبر عابرة للحدود ولا تقتصر في آثارهـا على دولة واحدة بل في أحيان كثيرة تشمل عدّة دول ,ممّا يولّد نتائج كارثية خطيرة على الأفراد والدول , لذلك بادرت العديد من الدول لسـنّ تشريعات تهدف إلى مكافحة هذه الجرائم الحديثة.

بـدوره المُشـرّع السوري لم يقف مكتوف الأيدي أمام هذا الخطر الكبير الذي قد يتولّـد عن الجرائم الالكترونية فقد نـصّ قانون تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية, الصادر بالمرسـوم التشريعي رقم 17 عام 2012 على العديد من الجرائم الالكترونية التي يمكـن تعريفها بأنها عبارة عن أي جريمة ترتكب باستخدام الأجهزة الحاسوبية أو الشبكة أو تقع على المنظومات المعلوماتية أو الشبكات , ومن بين هذه الجرائم نجد جريمة الاحتيال الالكتروني والتي تُعـدّ من أخطـر الجرائـم الالكترونية التي عالجها المُشـرّع السـوري في المادة 21 من قانون تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية , حيث تـمّ التعامل معها بحرفية خاصة جداً وميّـزها عن جريمة الاحتيال التقليدي المنصوص عليها في المادة 641 من قانون العقوبات العـام.

من جهة, تتمثل جريمة الاحتيال الالكتروني, وفق نـص المادة 21 من قانون تنظيـم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية, في الاستيلاء باستخدام الأجهزة الحاسوبية أو الشبكة على مال منقول أو عقار أو معلومات أو برامج ذات قيمة مالية أو سند يتضمّن تعهـداً أو إبـراءً أو أي امتياز مالي آخر وذلك عن طريق خـداع المجني عليه أو خـداع منظومـة معلوماتيـة خاضعـة لسيطـرة المجنـي عليه بأيّ وسيلة كانت, هذه الجريمة تُعتبـر جنحة ومُعاقب عليها بالحبس من ثلاث إلى خمس سنوات والغرامة من خمسمائة ألف إلى مليونين ونصف المليون ليرة ، لكنها قد تصبـح جناية في حال وجود بعض الظروف المشدّدة الخاصة.

من جهة أخرى تتمثل جريمة الاحتيال التقليدي, وفـق نـصّ المادة 641 من قانون العقوبات العـام, في حمل الغير على تسليمه مالاً منقولاً أو غير منقول أو إسناداً تتضمّن تعهداً أو إبراءً فاستولى عليها احتيالاً : إما باستعمال الدسائس, أو بتلفيق أكذوبة أيّدهـا شخص ثالث ولو عن حسن نيّـة, أو بظرف مهّـد له المجرم أو ظرف استفـاد منه أو بتصرّفه بأموال منقولة أو غير منقولة وهو يعلم أن ليس له صفة للتصرّف بها , أو باستعماله اسماً مستعاراً أو صفة كاذبة, هذه الجريمة تعتبر جنحة ومعاقب عليها بالحبس من ثلاث إلى خمس سنوات والغرامة من عشرة آلاف ليـرة إلى خمسين ألف ليرة, ولا يستفيد المحكوم من الأسباب المخففة التقديرية أو وقف التنفيذ أو وقف الحكم النافـذ إلا في حالـة إزالة الضرر.

من خلال هذه المقاربـة يمكننا أن نلاحظ عدّة اختلافات بين جريمتي الاحتيال الالكتروني والاحتيال التقليدي :

أولاً: إن جريمة الاحتيال الالكتروني تتشابه مع جريمة الاحتيال التقليدي, ففي الجريمتين يتمثل الفعل الجرمي في الاستيلاء على مال الغير بالخداع لكن في جريمة الاحتيال التقليدي فعـل الخداع يتم بوسائل حصرية فقـط, بينما في جريمة الاحتيال الالكتروني لم يحدد وسائل الخداع على سبيل الحصر كالاحتيال التقليدي, بل حصـر ارتكابـه باستخدام الأجهزة الحاسوبية أو الشبكة أو وقوعـه على منظومة معلوماتية, بأيّ وسيلة كانت.

ثانياً: العقوبة المالية لجريمة الاحتيال الالكتروني هي أشـدّ بكثيـر من جريمة الاحتيال التقليدي, التي قد تصل إلى مليونين ونصف المليـون ليرة.

ثالثاً: هناك اختلاف كبير بين جريمتي الاحتيال الالكتروني والاحتيال التقليدي من خلال ظروف التشديد التي أن يمكن أن ترافقهما, وهذه الظروف تنقسم إلى نوعيـن:

  • ظروف تشديد خاصة بجريمة الاحتيال الالكتروني: التي تتمثل في ثلاث حـالات: إذا وقعت الجريمة على ثلاثة أشخاص فأكثـر, إذا تجاوز مبلـغ الضرر مليون ليرة سورية, إذا وقع الاحتيال على مصرف أو مؤسسة ماليّـة في حال إحدى هذه الحالات رافقت هذه الجريمة فإن العقوبـة تصبح الاعتقال المؤقت والغرامة من خمسمئة ألف إلى مليونين ونصف المليون ليرة سوريّـة, ولا تطبّـق الأسباب المخففة التقديرية إلا إذا أسقـط المضرور حقـه الشخصي.

من حيث النتيجة, جريمة الاحتيال الالكتروني تنقلب من جنحـة إلى جنايـة وهذا الموقف المتفرّد لا نجـده نهائياً في جريمة الاحتيال التقليدي, التي تبقى جنحة بالرغم من وجود ظروف مشدّدة خاصة بها تشدّد عقوبتها, بحيث يتم مضاعفة العقوبة لتصبح الحبس من ست سنوات إلى عشرة سنوات والغرامة من عشرين ألف ليرة إلى مئة ألف ليرة بالمقابل في جريمة الاحتيال التقليدي يتم التشديد في حالتين فقط : بحجّة تأمين وظيفة أو عمل في إدارة عمومية بفعل شخص يلتمس من العامة مالاً لإصـدار أسهـم أو سندات أو غيرها من الوثائق لشركة أو مشروع ما .

  • ظروف تشديد عامة : نصّت عليها المادة 21 من قانون تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتيـة هذه الظروف قد ترافق جميع الجرائم الالكترونية , والتي تتمثل في أربع حالات :

إذا كان موضوع الجريمة يمـسّ الدولة أو السلامة العامة , إذا جرى ارتكاب الجريمـة بواسطة عصابة منظّمة, إذا وقعت الجريمة على قاصر أو من في حكمه, إذا استغلّ مرتكب الجريمة عمله الوظيفي لارتكاب الجريمة, في حال إحدى هذه الحالات رافقت جريمة الاحتيال الالكتروني، فإن العقوبة تشدّد وفق القواعد العامة للتشديد المنصوص عليها في قانون العقوبات النافذ, بمعنى آخر تشدّد العقوبة وفق نـص المادة 247 من قانون العقوبات العام بحيث تُـزاد كل عقوبـة مؤقتـة من الثلث إلى النصف وتُضاعف الغرامة .

رابعـاً: الشـروع في الجنايات معاقب عليه وفق القواعد العامة, وبناءً على ذلك يُعاقب على الشروع في جنايـة الاحتيال الالكتروني، وعقوبة الشروع التي تُفـرض هنا تكون أخفّ من عقوبة الجريمة التامة. وبالرجوع إلى المادتين 199 و200 من قانون العقوبات العام نجد أن العقوبة التي تُفـرض تختلف في حالة الشروع الناقص حيث يمكن تخفيض عقوبة الجريمة التامة من النصف إلى الثلثين أي يبقى من عقوبة الجريمة التامة النصف أو الثلث, بينما في حالة الشروع التام يمكن تخفيض عقوبة الجريمة التامة حتى النصف فقـط .

خامساً : الشروع في الجنح لا يُعاقب عليه إلا إذا نـصّ القانون على ذلك, لكن المُشـرّع السـوري اتخذ موفقاً متشدّداً فقد عاقب على الشروع في جنحة الاحتيال الالكتروني وفق نـص المادة 31 من قانون تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية, لكنه لم يحدد مقدار العقوبة. بالتالي من حيث النتيجـة يجب الرجوع إلى القواعد العامة في قانون العقوبات العام, والتي تقضي بأن عقوبة الشروع التي تُفـرض تكون أخـفّ من عقوبـة الجريمـة التامـة, وفق نـصّ المادة 201 من قانون العقوبات العام يمكن تخفيض عقوبـة الجريمة التامة حتى النصف في حالة الشروع الناقص وحتى الثلث في حالة الشروع التـام أي يبقى من عقوبة الجريمة التامـة الثلثان .

بالمقابل قواعد التخفيف التي تميّز في مقدار العقوبة بين الجريمة التامة والشروع الناقص والشروع التام لا تطبّق على الشروع في جريمة الاحتيال التقليدي, فقد اتخذ المُشـرّع السـوري من خلال الفقرة الثانية من المادة 641 من قانـون العقوبات العام موقفاً متشدداً فلـم يكتفِ بالمعاقبة على الشروع في جنحة الاحتيال التقليدي بل طبّق العقاب نفسه في محاولة ارتكاب هذا الجرم, ممّا يعني أن عقوبة الجريمة التامة تُطبّـق دون أيّ تخفيض سواءً في حالة الشروع الناقص أو في حالة الشروع التام, أيّ لا فائدة للتمييز في جريمة الاحتيال التقليدي بين الشروع الناقص والشروع التام فالعقوبة تبقى واحدة .

سادساً : إذا حال الجاني بمحض إرادته دون نتيجة فعله, فإن هذا العدول الطوعي, يُنتج آثاراً مهمّة في مرحلة الشروع الناقص, حيث يؤدي إلى الإعفاء التام من العقوبة, فقد نصّـت المادة 199 من قانون العقوبات العـام أنه من شرع في فعل ورجع عنه مختاراً لا يُعاقب إلا على الأفعال التي اقترفها وكانت تُشكل جرائم بحـدّ ذاتها بينما العدول الطوعي في مرحلـة الشروع التام لا يؤدي إلى الإعفاء من العقوبـة, بل وفـق نص المادة 200 من قانون العقوبات العام تُخفّض عقوبـة الشروع التام , مرة أخرى، حتى الثلثين .

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz