الوعي القانوني فــي انتقائية السياسة القانونية الدولية وفقاً للمصالح الخاصة

بقلـم د. تمـيم محمد ميكائيل أستاذ القانون الجزائي.

يُعتبر موضوع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية من أكثر الموضوعات التي دار حولها جدل كثير  فالمحكمة الجنائية الدولية هي مؤسسة قائمة على معاهدة مُلزمة فقط للدول الأعضاء فيها، فهي ليست كياناً فوق الدول بل هي كيان مُماثل لغيره من الكيانات القائمة. فالمحكمة الجنائية الدولية ليست بديلاً عن القضاء الوطني وإنما هي مُكمّل له. فيجب أن يتحقق مبدأ التكامل بين اختصاص المحكمة الجنائية الدولية واختصاص القضاء الجنائي الوطني، بحيث يظلّ الأخير هو صاحب الولاية الأصلية والعامة ولا يدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية إلا الجرائم التي يتعذر عرضها على القضاء الوطني، إما لخروجها عن الولاية أو لعدم إمكان ملاحقتها أمامه وفقاً للشروط والأوضاع التي حدّدها وفصّلها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

من حيث النتيجة، يستند اختصاص المحكمة الجنائية الدولية على نوع الجرائم التي نـصّ عليها النظام الأساسي، فقد أوردت المادة الخامسة منه الجرائم الأشـدّ خطراً والتي أشارت إليها الفقرة الأولى، وهي: جرائم الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، جرائم العدوان. لكن يُلاحـظ على تحديد الاختصاص النوعي السابق عِـدّة نقاط سلبية:

من جهة، تم تأجيل النظر في جريمة العدوان من قبل المحكمة لحين وضع تعريف لهذه الجريمة، مع العِلـم أن الأمم المتحدة قد توصّلت إلى تعريف للعدوان بموجب قرار لها صدر عام 1974. وقد أحسنت الدول صنعاً بعدم الأخذ بالتعريف المذكور للعدوان لأنه تعريف ناقـص لا يشتمل إلا على عنصر واحد لتحقق الجريمة وهو عنصر استخدام القوات المسلحة وكان من الأولى أن يتضمّن التعريف إضافة إلى الأعمال العسكرية العدوان الاقتصادي والسياسي.

لكن من جهة أخرى، إن المحكمة الجنائية الدولية، لن تختصّ بنظر جريمة العدوان، حيث يظـلّ اختصاصها بنظر تلك الجريمة مُعلّقـاً إلى أن توافق جمعية الدول الأطراف على تعريف تلك الجريمة وتحديد شروط اختصاص المحكمة بنظرها. ويُعتبر استبعاد جريمة حرب العدوان من اختصاص المحكمة خطوة إلى الوراء، إذ كانت هذه الجريمة تختصّ بنظرها محكمة نورمبرج ومحكمة طوكيو، كما أنه يحول دون ملاحقة القادة السياسيين والعسكريين عن تلك الجريمة التي تُعتبر من أخطر الجرائم التي تُصيب المجتمع الدولي.

في الواقع، لقد عارضت النـصّ على هذه الجريمة بعض الدول وبصفة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية حتى لا يكون اختصاص المحكمة بتلك الجريمة وسيلة لمحاربة حالات التدخل العسكري. كما عارض ذلك أيضاً بعض دول العالم الثالث خشية تدخل مجلس الأمن في تحديد العدوان والتحكم تبعاً لذلك في الوظيفة القضائية للمحكمة في هذا الشأن.

في التطبيق العملي، انه على الرغم من أن المادة الخامسة من نظام روما قيّدت هذا الاختصاص بالجرائم الأشـدّ خطورة التي هي موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسـره إلا أنها لم تتضمّن كل هذه الجرائم وبصفة خاصة الإرهاب الدولي وتجارة المخدرات والمؤثرات العقلية.

لكن لا بـدّ مـن القول، أن المحكمة الجنائية الدولية قد تُلاحق مرتكبي بعض جرائم الإرهاب، ويكون ذلك في حالة ما إذا كانت هذه الجرائم إضافة إلى كونها جرائم إرهابية تدخل تحت توصيف قانوني آخر يشمله اختصاص المحكمة، فالعمل الإرهابي قد يكون أساسـاً في بعض الحالات جريمة حرب أو جريمة إبادة أو جريمة ضد الإنسانية، وهو في هذه الحالات تُلاحقـه المحكمة تحت هذا التوصيف.

فعلى سبيل المثال إذا تـمّ استهداف جماعة إثنيـة بالقتل بقصد إبادتها جزئياً وذلك لبث الرعب في صفوف باقي أعضاء الجماعة، فهذا العمل هو جريمة إرهابية لأنه تعمّد بـثّ الذُعر بين عامة الجمهور تحقيقاً لأهداف سياسية، وهو في نفـس الوقت جريمة إبادة تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ذلك أن القتل استهدف جماعة إثنيـة بقصد إبادتها جزئياً.

في الحقيقة، بالرغم من تبنّي النظام الأساسي لأسلوب تحديد اختصاص المحكمة النوعي إلا أنه أفسـح المجال لإضافة أيّ جريمة لقائمة الجرائم التي أوردتها المادة الخامسة، غير أنه حصـر سريان أيّ تعديل على الاختصاص الوارد في المادة الخامسة بالدول التي تقبل هذا التعديل فقط. أما بالنسبة للدول التي لا تقبل التعديل فيكون على المحكمة عدم ممارسة هذا الاختصاص في مواجهتها.

فقد نـصّ نظام روما الأساسي على ذلك صراحةً في المادة (121) بحيث يُصبـح أيّ تعديل على المادة (5) من هذا النظام الأساسي نافذاً بالنسبة إلى الدول الأطراف التي تقبل التعديل، وذلك بعد سنة واحدة من إيداع صكوك التصديق أو القبول الخاصة بها، وفي حالة الدولة الطرف التي لا تقبل التعديل، يكون على المحكمة ألا تمارس اختصاصها فيما يتعلق بجريمة مشمولة بالتعديل عندما يرتكب هذه الجريمة مواطنون من تلك الدولة أو تُرتكب الجريمة في إقليمها.

بالمقابل، ينحصر الاختصاص الشخصي للمحكمة الجنائية الدولية بالأشخاص الطبيعيين سواءً ارتكـب الشخص الطبيعي الفعل الذي يُشكّـل جريمة بمفرده أو اشترك مع آخر في ارتكابه، شريطة أن لا تقـلّ أعمارهم عن 18عاماً وقت ارتكاب الجريمة المنسوبة إليهم.

فالمحكمة الجنائية الدولية تختص بمحاكمة الأشخاص الطبيعيين فقط، فلا يُسأل الأشخاص المعنوية أو الاعتبارية، أي لا تقع المسؤولية الجنائية على عاتق الدول أو المنظمات أو الهيئات التي تتمتع بالشخصية الاعتبارية. لكن اختصاص المحكمة هذا لا يتعارض وإثارة مسؤولية الدولة المدنية وإلزامها بتعويض الأضـرار الناشـئة عن الفعل متى ثبت مسؤوليتها عنه.

أخيراً، أخذ نظام روما بما أخذت به دساتير المحاكم المؤقتة السابقة من عدم الاعتداد بالصفة الرسمية للمتهم، فهي لا تعفي المتهم من المسؤولية لصفته كما لا تعتبر هذه الصفة سبباً مخففاً للعقوبة، ولا تعتبر الحصانات التي يتمتع بها الشخص مانعاً من مثوله أمام المحكمة أو أنها تمنع المحكمة من ممارسة ولايتها على ذلك الشخص.

 

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz