قمّـتـيّ سوتشـي فـي الميــزان

بقلــم “تركي حسن” الباحث في مركز دمشق للأبحاث والدراسات.

مضى عامان وشهر على الزيارة المفاجئة للرئيس الأسد إلى موسكو بتاريخ 21 تشرين الأول 2015، وجاءت بعد الاشتراك الروسي في الحرب على الإرهاب، والدفاع عن سورية، والإسهام في ضرب المشروع الغربي- الإقليمي – العربي في المنطقة.فالتوقيت آنذاك كان يعادل الصواريخ الروسيّة المجنّحة (كاليبر)، وقصف الطائرات من أسرة سوخوي 24 إلى 35، والطائرات الإستراتيجية التي أظهرت الموقف الجاد لروسيا في دعم الشعب والدولة في سورية، وقد تبيّن آنذاك أن الرسالة الأولى للرئيس بوتين التي يرغب بإيصالها للعالم تتلخص في :

1) ممنوع اللعب مع القيادة الروسيّة، تحديداً في الملف السوري.

2) إن روسيا جادة في تأمين المنطقة بوجه الإرهاب بعد انتشاره الواسع، وخطره الذي سيمتد إلى روسيا بالتأكيد.

3) إن الموقف الروسي الصلب انتظر أربع سنوات ونصف، وشكّل الصمود السوري القاعدة الأساسية لدى الرئيس بوتين للتدخل، بعد أن قاتلنا طويلاً لوحدنا، وظهر حجم التدخل الخارجي والمشاركة في الحرب لديه، خاصةً بعد معارك إدلب.

4) اكتشاف أن العمليات العسكرية، تهدف منذ البداية إلى حلّ الأزمة السوريّة عبر الحوار، ومشاركة كلّ الأطراف بعد إعادة التوازن للميدان. لكن الكلمة الأخيرة، ستكون للشعب السوري في تقرير مستقبله. لقد أدّى الاشتراك الروسي، في إعادة تصويب المسار مباشرةً في نقطتين هامتين:

  • الأولى: توقيع مذكرة تفاهم حول سلامة الطيران في الأجواء السوريّة بين أمريكا وروسيا.

  • الثانية: دفعت بأمريكا لطرح مبادرتها لبحث سبل التسوية سياسياً.

    5) التفاهم الروسي السوري إلى حدّ التطابق بين وجهتي النظر السوريّة – الروسيّة في النظرة للأزمة على المسارين السياسي والعسكري.

    6) حُدّدت في موسكو الأدوار لروسيا وإيران وسورية والمقاومات العسكرية، فأُفردت الخرائط، وبُنيت خطط العملية العسكرية من حيث الأهداف-المراحل-التسلسل-مع ربطها بالتوقيت، ولم يغب نهائياً في تلك اللحظة جانب التسوية السياسية. لذلك عند كل منعطف وتحوّل استراتيجي هام، كان الملف السياسي مطروحاً ومتقدماً عبر تفعيل مؤتمر جنيف المتعثر أو عبر مؤتمر أستنه الموازي والمبتكر.

هذا، وبسبب العملية الفضائية-الجوية الروسية مع الطيران السوري والقوات البرية، أتت النتائج بعد شهرٍ واحد، في اجتماعات فيينا 1 و2 ثم القرارين 2253-2254، لنذهب إلى جنيف3.

كما أنه طوال عامين من العملية العسكرية، جرت انجازات وتحولات استراتيجية كبرى، أدت إلى تحريك الوضع السياسي عبر مسارين: جنيف من 3 إلى 8 وأستنة من 1 إلى 7. فحصل إجماع دولي على أن الحل في سورية سياسي، وهذا ما كان مفتقداً في السابق، ووضع جدول للأعمال من أربع سلل، (مكافحة الإرهاب-الحكم-الدستور-الانتخابات).

لا يمكن أن نستعرض تاريخ الحرب على سورية في مقالة، ولكن أردت الإشارة والربط بين لقاءين وقمتين شكلتا تحولاً نوعياً في مسار الحرب: الأولى في موسكو؛ والثانية في سوتشي، بُنيت أسسها ومنطلقاتها في الأولى.. كما أنه طوال عامين كثرت الإشاعات والأحاديث والتحليلات والتنظيرات حول الخلافات والاختلافات ضمن التحالف السوري-الروسي-الإيراني، وقد تكون بُنيت عليها مواقف ومشاريع وأحلام تسببت في تأخير قطار المسار السياسي.

سوتشـي ذات الشاطـئ السياحـي الجميـل علـى البحـر الأســود وجبـال القوقـاز والتاريـخ ( كهـف إنســان نياندرتـال Homo neanderthalensis ) ذات سبعة ملايين سائح ومئة ألف غرفة فندقية وخمسين نبعاً للمياه المعدنية وأولمبياد 2007 والفصل الخريفي المُخملي، إضافة إلى كونها العاصمة الصيفية لروسيا، تحتضن بيت ستالين واللقاء التاريخي بين برجينيف مع عبد الناصر، ألقت بسحرها وجمالها على لقاءٍ إضافي أيّ قمة الرئيسين الأسد- بوتين في 20 تشرين الثاني 2017، نظراً لأهميتها الخاصة، إذ أعلن فيها انتهاء العملية العسكرية التي بدأت في 30 أيلول 2015  والانتقال إلى مسار التسوية. ولا يعني ذلك بالتأكيد انتهاء العمليات القتالية التي قد تكون ضرورية في بعض المناطق لدفع العملية السياسية، ورغم القيل والقال، حول العلاقات مع روسيا ودورها ومصالحها ونفوذها، فإن مسار الأحداث والمنعطفات الحادة، أثبت أن هذه العلاقات ثابتة وراسخة، بل متطورة، فقد ظل التنسيق السياسي والعسكري مستمراً طيلة الحرب، وحتى بشكل يومي..

وأكيدٌ أيضاً أن روسيا لم تطرح أي مبادرة، إلا بعد التشاور والاتفاق مع الجانب السوري، ولو عدنا إلى الوراء قليلاً لوجدنا نقاطاً طرحتها روسيا مثل: الفيدرالية، الدستور، مؤتمر الشعوب. لكن رفضتها سورية فعادت روسيا إلى وجهة النظر السوريّة. إن الثقة بالصديق والحليف الروسي قوية وراسخة.. كيف لا؟! والمحور الروسي- الإيراني- السوري- العراقي، رسم معالم النصر وغيّر وجه المنطقة، ومن رحم الحرب تشكل عالم جديد، تحالف تعمّد بدم الجميع.

فالقمة الروسيّة السوريّة رسمت معالم الطريق للحل السياسي في سورية، وخطوات الحل، كما رسمت قمّة 2015 خريطة العمل العسكري. وبناءً عليها جاء لقاء القمة الثلاثي، الروسي- الإيراني- التركي، لتظهير تفاهمات لقاء الأسد- بوتين. و نخلص من القمّتين بالنتائج التالية:

1) في الشكل كان لقاء بوتين- الأسد حميمياً، يُعبّر عن المدخل للمحادثات والثقة المتبادلة والود والاحترام، إضافةً للاجتماع مع القيادة السياسية والعسكرية التي قدّمت بالتأكيد عرضاً عن الحرب ومراحلها في العامين الماضيين، وانتفاء الحاجة إلى الاستمرار بها اليوم، في سابقةٍ لم تجرِ في أية دولة.

2) ما كان لقمّة الأسد بوتين أو القمة الثلاثية في سوتشي أن تحدثا، لولا التحولات الإستراتيجية، وإعلان النصر النهائي في البوكمال للجيش السوري والقوات الحليفة والرديفة.

3) إن القمّة ثلاثية في الشكل رباعية في المضمون، فالأسد حاضرٌ ومقعده مع وإلى جانب الرؤساء الثلاثة، وما أقرّوه في لقائهم هو ما اتفق عليه في القمّة الثنائية.

4) لقد حضر في القمتين البيانُ الأمريكي الروسي الذي صدر في فيتنام ذو النقاط الست الذي يشكل تحوّلاً عالمياً للتسليم بالرؤية الروسية لاستشراف الحل في سورية، وجاء بعد مخاض كبير وعسير ومكلف دفعنا أثماناً غالية للوصول إليـه.

5) القمّة الثلاثية جاءت بعد التعهّد الذي قطعه الرئيس الأسد للرئيس بوتين، في الانخراط الكامل في التسوية، وعدم التحفظ على الأطراف الأخرى المستعدّة للحل، ما شكّل فاتحةً وانفتاحاً للمرحلة المقبلة. يستطيع الرئيس بوتين استخدامه في كافة لقاءاته، ذلك بعد أن توضّحت مضامينه (حكومة- دستور- انتخابات نزيهة ومراقبة).

6) تأتي القمّة الثلاثية بين الحليفين الروسي والإيراني والحاضر الغائب السوري مع تركيا، لتشكّل تحولاً واستدارة في الموقف التركي، أملتهما الظروف الميدانية السوريّـة والإقليميّـة والدوليّـة على تركيا، تحت ضغط المسألة الكردية والواقع الداخلي التركي الصعب، وخلافاتها مع الغرب، والانفتاح الروسي والإيراني على تركيا الذي شكَّلَ غطاءً وتعويماً لتركيا في هذه المرحلة.

7) في تقديري أننا سنشهد انفتاحاً سياسياً في المنطقة، يعمل الجانب الروسي على التحضير له، وقد نشهد لقاءات سوريّة-تركيّة، سوريّة- خليجية، سوريّة – أردنيّة، تتوقف على مقدار الاستدارة واستعداد الأطراف الأخرى، ويدلل على هذا الاتصالات التي أجراها الرئيس بوتين مع ترامب والملك سلمان والرئيس السيسي، لوضعهـم في أجواء ما اتُفِقَ عليه.

8) في لحظة انعقاد القمّة الثلاثية، اتجهت الأنظار أيضاً إلى لقاءات الرياض للمعارضة، والإقالات أو الاستقالات التي كانت تتصدّر المشهد طوال عامين، وتكرار الجبير لمرجعية الحلّ في جنيف 1، لكنه أضاف القرار 2254، ثم حضور ديمستورا وإعلانه عن محاولة تشكيل وفد موحّـد للمعارضة، من أجل جولة جنيف القادمة.

9) استكمال التحضيرات التي تجري لعقد مؤتمر الحوار السوري في سوتشي، والدعوة له، إذ أكد الروس أن المؤتمر سيُعقد، وأن الدعوات ستوجّه للداخل والخارج، وبمن حضر “إن تخلّـف أحدهم”، وسيشكّل مرحلة تحضيرية حتى وإن لم يحقق النتائج المرجوّة، ولكن المتابعة ستكون في جنيف بعد إنضاج المواقف والظروف. قد لا تستطيع روسيا الآن التراجع عنه أو إلغاءه، لأنه سيشكّل ضربةً للدور الروسي، ومهما كانت درجة نجاحه وموضوعاته وما سيتمخّض عنه فمجرّد انعقاده وتلبية الدعوات، يُعَدُّ نجاحاً بحد ذاته.

10) يستطيع الروس وحلفاؤهم الاعتزاز أمام العالم في نجاحهم في محاربة الإرهاب، نيابة عن العالم، وأن يعبّروا عن أنفسهم في المحافل الدولية والإقليمية واللقاءات الثنائية، بوصفهم قد غيّروا العالم، فاستخدام حق النقض (الفيتو) لمرتين في يومين متتاليين، ذلك أقوى أو يساوي استخدام الطائرات الضاربة والصواريخ الإستراتيجية والمنظومات الفضائية وطائرات السوخوي والحرب الالكترونية.

وأخيراً سيذكر التاريخ سوتشي وما أحدثته من تغيير عالمي، كما نتذكر الآن يالطـا التي كان الروس طرفاً فيها. واعتقد أني سأكتب ثانيةً عن سوتشي على ضوء ما يظهر من نتائج عن لقاءاتها ومؤتمر الحوار الوطني.

 

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz