حينمـا تكـون المواقـف أحقـاداً وتناوبـاً على الدمــار

بقلـــم د. أحمد الحاج علي 

القوى المعتدية موحّدة وواحدة في الجوهر رغم مظاهر التمايز الخادع.

الأداء الوطني السوري هو قوة الكشف والتظهير لحقيقة العدوان.

القيمة والقمّـة راسخ في سلوكنا السياسي.

إنهم في العمق واحد وموحّد تتلاشى الإطارات الباهتة التي تميّز عدوّ منهم عن الآخر, و مهما تعددت أنماطهم أو تضاربت رؤاهم فهم في العمق يتماثلون بل يتكاملون, ويحدث أن يكون بعضهم دولاً من وراء المحيطات كما هو الحال في أمريكا والغرب الأوروبي , ويحدث أن يكون  جزءاً منهم في الإقليم في محيط سورية العربية كما هو المثال في تركيا أردوغان , وبعضهم اختار أن يشـوّه الرابطة القومية العربية فخرج على الحياة قاتلاً مدمّـراً تُحرّكه الأحقاد الدفينة والطارئة كما يجسّد ذلك نظام آل سعود و آل ثان في قطر والنظام الأردني وأنظمة طالما احتسبناها شقيقة ولديها بعض بقايا الرابطة التي ننتمي إليها جميعاً وهؤلاء في تفاصيلهم أنتجوا ظاهرة الإرهاب ووظفوا المال والإعلام والتزوير في تكوين مجموعات وتنظيمات إرهابية لا حصر لها وكان الإرهاب تعبيراً عن الاستعمار والصهيونية وتجسيداً لهما وكانت القوى الدولية المؤسسة للإرهاب هي الحاضنة لهذا الغدر والضامنة له في كل تقلباته .

وعبثاً حاول البعض أن يزوّر الحقيقة هنا ولا سيّما في المرحلتين الأولى والثانية من العدوان على سورية غير أن ضغط المعارك ونمو الأداء الوطني السوري بما يؤكد الأعجاز في التضحية والإنجاز في تحرير الأرض والإنسان , إنما شكّل ذلك قوّة كشف لطبيعة العدوان والمعتدين ولحقائق الترابط العضوي بين الدول والأنظمة من جهة والمجموعات الإرهابية من جهة أخرى وفي المرحلتين الثالثة والرابعة من العدوان وهما الممتدتان حتى اللحظة اندفعت لحظة الانكشاف إلى أقصى مدى لها, ثم استتبعتها مباشرة منصّة استحقاقات كبرى تجلّت في اندحار الإرهاب بل في اجتثاثه على الأصحّ, وكذلك في تبدلات سياسيـة ودبلوماسية ما زالت تتوالى في عقد المؤتمرات الدولية وظهور نقاط الضعف والتهالك في الأداء السياسي للقوى جميعاً دولها ومجموعاتها , و توضّحت الآن في سياق التحولات القائمة أن ثمّة درسين مهمين استقرا من السطح إلى العمق في تنظيم العداء وفي تفسير المعتدين.

أما الأول من الدرسين فهو الذي يتجسّد في وحدة هؤلاء القتلة عبر انسجامٍ وتماهٍ لا يوجد له مثيل في تاريخ البشر, إنهم يتكاملون ويتماثلون ويحدث أن تتوزع بهم الطرق وتتنوع بهم أساليب القتل والتدمير لكنهم سرعان ما يتكثفون ويتكشفون في محرق واحد وتؤطرهم دائرة مسوّرة بالأحقاد والحديد والنار تنتظمهم جميعاً بحيث لا ضرورة لملاحقة همزات التناقض فيما بينهم فجميع ذلك هو تلوينات دموية ولعب على الحقيقة, و لنتابع الآن كيف عادوا إلى موطنهم السياسي الأصلي عبر وحدتهم و تكامل أدوارهم .

ويبقى الدرس الثاني متمثلاً في نسق الحقد الغرائزي على الوطن السوري والذي يقوم من مبتدئه إلى خبره على القتل والتدمير حتى توضّحت الصورة الآن فهم أبناء الغرائز والأحقاد التي لا تنكفئ أبداً .

تتكامل أجزاء الصورة في الموقف العام لقصّة هذه الحرب المجرمة على سورية العربية وقد أدخلوها قسراً إلى داخل سوريا, وبلغة الصحافة والفوتوغراف تتظهّـر هذه الصورة من زواياها الأربع  لتشكل في المآل الحالة الطبيعية سواءً في اصطفاف القوى أو في سياسات هذه القوى أو في ممارسات هذه القوى, و بفعل ذلك ما عادت صيغة اللبس والالتباس والتداخل في المواقف وادعاءات الأطراف قادرة على أن تحكم الساحة الإقليمية والدولية أو أن تنتظم عبر خطوط التزييف والسيطرة في جدلية اصطناع مواقف وحقائق مناقضة تماماً للإدعاءات القادمة من هذا المنبع أو ذاك .

إن اللحظة الراهنة تشهد عملية الانفكاك ما بين حقائق العدوان بقواه وقوته والتزوير المتعمّد الذي يستطلع الواقع بصورة دائمة و يسعى لكي تستقر فيه أنماط مغشوشة و ألغام سياسية وعسكرية هي حرب مشتعلة الآن في هذا المدى وقد كانت ضرورية منذ بدء الإرهاب وعدوانه , لكن درجة العدوان على سوريا والتخطيط الدقيق العام لتنفيذ هذا العدوان ووعورة الأفق الذي تشكل فيه الوعي على المستوى الإقليمي والدولي وما تسلل من هذه الوعورة إلى الداخل الوطني ذاته , ذلك كلّه غطّى مرحلة البدايات وأنتج كثيراً من الكسف ومبررات التضليل التي انهارت الآن تماماً , والانهيار هذا لم يأتِ بالمصادفة أو عفو الخاطر أو بطريقة صحوة المجرمين على المقلب المضاد .

إن ثمّة أسباب و عوامل استغرقت سنوات من العذاب في سوريا ومواكب لا تنضب من الشهداء ومعالم أساسية أطلقت خصائص الشعب السوري الثاوية في الجذور والقبلة للنمو على السطح, و هذا هو المسار الذي أذهل العالم وأعاد صياغة المعادلة إلى أصولها وأعمدتها الأساسية, و بصورة متقنة فقد أنتج مشوار العذاب السوري منهج الصواب العالمي.

وكان لافتاً أن هذا المنهج السوري أحاط بالأزمة من مقدماتها وواكب بعد ذلك تحولاتها ومحطاتها الكبرى , ثم تحكّم بدرجة عالية من الثقة بالذات بالخلاصات والنتائج التي استقرت في الذهن العالمي بما يوازي استقرارها في ميادين القتال الصعبة والمعقدة , ولعلّ ذلك هو الذي أسس لتحولين كبيرين ونوعيين في مجرى هذا الصراع, و الاعتراف واجب وأخلاقي بأن كلّ تحول في الصراع كانت دماء الشهداء وصبر الشعب وراءه .

أما التحول الأول فقد تجلّى في موازنة القوى وتبدّل مؤشرات الميزان من خلال الميدان, ولا نحتاج إلى عناءٍ كبير لنكتشف مدى التحول كميّاً و نوعياً بطريقة إجراء المقارنة و المقاربة بين ما كان من تمدد الإرهاب في الوطن السوري وبين اللحظة الراهنة التي تؤكد بأن أكثر من تسعين بالمئة من الأرض السورية قد عادت لأبنائها بعد أن عاد أبناؤها إليها وهذه المسافة التي استغرقها هذا التحوّل  بدت شجاعة في المرحلة الأولى إلى درجة المجازفة وبصورة ثابتة انتشرت عوامل هذا التحوّل وثبتت أركانه في الإنسان والبنيان وفي آفاق الراهن والمستقبل وهنا يتابع العالم كلّ العالم خاصية نمو الجذور في أداء الوطن السوري ويتابع أيضاً حيوية الإرادة والعقل السوريين في التفاعل مع هذا الضيم ومع هذا الغيم الكالح القادم على موت الضمائر ودخان المدافع وشبق القتل والذبح والتفجير والتدمير.

 ومن هنا تشكل البعد الآخر في الأداء الوطني السوري والذي تحرّك بموجبه الإقليم و المسار العالمي الواسع , وهكذا صمدت سوريا في لحظة الخطر وبنت مقاصدها وخطوط علاقتها مع العالم في زمن استعادة الموقف وهزيمة الإرهاب.

وكان من نتائج ذلك أن تعمّقت فكرة المقاومة بكلّ أطيافها وأبنائها المنتشرين على الأرض السوريّة من إيران الدولة الإسلامية والمقاومة الوطنية في لبنان ومن العراق الشقيق ومن طور حضاري تمثل في موقف روسيا الاتحادية كما أسس

له وقاد تشكيلاته الرئيس القائد فلاديمير بوتين, على أن الرصد والمتابعة في هذا التحوّل يأخذنا إلى أبعاد راسخة أخرى منها نمو الوعي الشعبي والضمور الدراماتيكي لدوافع الصمت أو التشفي أو الذهاب إلى قطعان الإرهاب من الداخل السوري , إن سوريا استعادت أبناءها حينما استعادت ذاتها وهذا ما ينعكس على أحوال الناس في وطننا الغالي في كل مجالات الحياة و في هذا البند بالذات تستقر الحقيقة التي أنجزت ذاتها في سوريا أولاً ثم انعكست في إنجاز منهجها عربياً وإقليمياً وعالمياً.

على أن العنوان الثاني في التحولين اللذين أشرنا إليهما إنما تمثل في انعكاس الأداء الوطني السوري في كل مستويات القوى المعادية لسوريا , في دول الخليج العربي وفي تركيا أردوغان وفي الاتحاد الأوروبي وفي مواقع ومواقف كثيرة لم يعد بإمكانها أن تتلطّى في العتمة و لم يعد من متاح أمامها سوى هذا الصمت على الأقل أو إجراء المراجعة بقصد نمو نزعة الالتحاق بالحقيقة العربية وبالمنهج السوري وبالاندماج والانضباط على مسار السلام والحوار والتفتح والانفتاح على كلّ ما هو مفيد للعرب و لغير العرب.

لكن المسألة هنا تبدو أنها مقيّدة لصالح الأمنيات والتوقعات الحالمة فهذه القوى ( العربية و الإسلامية ) ظهرت على حقيقتها إذ هي منذ الولادة المفتعلة بالطريقة القيصرية ومنذ النشأة الأولى و الثانية  والثالثة إنما هي أنظمة مستحدثة مفتعلة لممارسة هذا الدور في قتل العرب والعروبة واصطياد المسلمين و تشويه الإسلام ولا جدوى من أيّ لين أو استرخاء في تغيير موقف هذه الدول وهذه الأنظمة, و لذلك كان هذا الهروب إلى الاضطراب الداخلي فيما بينه.

لقد انكشف المجرم ( العربي ) الآن بعد أن انكشف دور الجريمة قبل ذلك , و بدأ كل نظام ينهش الآخر ويفضح كل منهم ملكيات ما توافقوا عليه من خيانة و تدمير للوطن السوري والعراقي وفي أصول هذه الحكاية جاء هذا الاستطراد الفاقع في الارتماء بأحضان أمريكا ترامب , و في النمو الفاضح للعلاقات الخليجية و غير الخليجية مع الكيان الإسرائيلي الذي صار بالنسبة للعملاء هو المعيار التي تحاكم فيه الأمور وهـو الملاذ و الضمانة لانحرافاتهم .

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz