التعامل مع إسرائيل: كيف سقطت المحرّمات؟

بقلــم الكاتبة “ليلى نقولا “

سقطت المُحرَّمات في الوعي العربي، واستطاعت إسرائيل التسلّل من بوابة الخراب الذي حلّ في العالم العربي بعد العام 2011 لكيّ الوعي، والتأسيس لخلق قناعات جديدة تنحرف عن الهدف الأصلي باسترداد الحقوق المسلوبة وتقزّيم القضية المركزية. (التجسّس وتجنيد العُملاء ظاهرة قديمة لطالما استخدمتها الدول لاختراق أسرار المجتمعات الأخرى)

جاء اعتقال القوى الأمنية اللبنانية لناشِطة فلسطينية وممثّل لبناني بتهمة التعامل مع إسرائيل، لتُلقي الضوء والتساؤلات على مدى وحجم الاختراق الإسرائيلي للمجتمعات العربية خاصة تلك المحيطة بها أو ما يُسمَّى دول الطوق، ولعلّ التفاعُل مع قضيتهما وقبلهما المخرج زياد الدويري الذي عاش في إسرائيل وتواصل مع السلطات الإسرائيلية لتصوير فيلمه؛ لتكشف عُمق انقسام مجتمعاتنا على ذاتها ومدى كره الذات الذي نعيشه في موضوع التعامل مع إسرائيل، بدليل خروج بعض الشخصيات السياسية والإعلامية للدفاع والتشكيك، واعتبار الأمر يستحق جائزة كما في حال زياد الدويري.

بالنسبة لإسرائيل، تشير الدراسات إلى أن نشأة الاستخبارات الإسرائيليّة سبقت نشوء الكيان الإسرائيلي بكثير، ففي عام 1914، أنشئت أول منظمة استخبارية إسرائيلية باسم “يلي” لجمع المعلومات عن القوات التركيّة والألمانية، وقد نجحت في سرقة أسرار غـاز “الخردل” وبعض الأسلحة الألمانيَّة الحديثة ونقلها إلى بريطانيا.ومع تأسيس الدولة، أنشأت إسرائيل مجموعة من الأجهزة الاستخبارية كان أشهرها عالمياً جهاز الموساد الذي أنشئ عام 1951 بقرار من ديفيد بن غوريون.

إذًا لقد حاولت دائماً إسرائيل اختراق الدول العربية وتجنيد العملاء، وتطوّرت وسائلها بعد اجتياح لبنان إلى تأسيس جيش من العملاء (جيش لحد) يعمل لصالحها وينفّذ الأعمال القذرة والتعذيب وملاحقة الوطنيين والمقاومين.

لطالما اعتُبر التعامل مع إسرائيل عملاً مُشيناً مُلاصقاً للخيانة العُظمى، وكانت النظرة الاجتماعية تنظر للعلاقة مع إسرائيل باعتبارها عملاً منبوذاً ومُداناً حتى لو لم تكن علاقة تجسّسية الطابع، إلى أن بدأت الحرب في سوريا، وتوالى سقوط المُحرَّمات وباتت المُجاهرة بالصداقة مع الإسرائيليين وطلب ودّهم لا تثير أي نوعٍ من عقدة الذنب أو الشعور بالخطيئة. ويمكن لنا أن نذكر في هذا الإطار العديد من الشواهِد على سبيل المِثال لا الحصر  مثـل مجاهرة العديد من رموز المُعارضة السورية بزيارة إسرائيل والمشاركة في مؤتمر هرتسيليا، والظهور على وسائل الإعلام الإسرائيلية  ومحاولات إغراء الإسرائيليين بمبادرات تُسقط حق السوريين في الجولان المحتل، كمبادرة “الجولان المحتل” التي أطلقها بعض المعارضين في ألمانيا، أو الدعوات التي أطلقت من البعض الآخر لإقامة  “منطقة آمنة في الجنوب السوري” تسيطر عليها إسرائيل وتحظّر الطيران فيها. وكذلك الاختراق الذي حصل في حاسوب مدير في مكتب نتنياهو، والذي كشف عن علاقات واسعة مع سوريين ولبنانيين قدّموا معلومات سريّة في الملف السوري وغيره. وبعد انقلاب موازين القوى الميدانية لصالح الجيش السوري، أطلقت بعض المجموعات المعارضة على الانترنت وبكل جرأة، دعوات لإسرائيل “لمساعدتهم في إسقاط النظام” وإنقاذ المعارضة من الهزيمة.

لقـد أثبتت قضية المُخرِج اللبناني زياد الدويري – والذي زار تل أبيب لتصوير فيلم – أن هناك جمهوراً لبنانياً وشخصيات سياسية وعامة – من خارج فئة المتعاملين السابقين مع إسرائيل خلال الحرب الأهلية – لم يعد يعتبر التواصل مع إسرائيل أو إقامة علاقات مع الإسرائيليين أمراً مُثيراً للاستغراب أو الاستهجان ، بل أمراً طبيعياً بحجّة الانفتاح والثقافة عِلماً أن القانون اللبناني كان واضحاً في تجريم “أي اتصال بالعدو أو دخول أراضيه”.

وهكذا، سقطت المُحرَّمات في الوعي العربي، واستطاعت إسرائيل التسلّل من بوابة الخراب الذي حلّ في العالم العربي بعد العام 2011 لكيّ الوعي العربي، والتأسيس لخلق قناعات جديدة تنحرف عن الهدف الأصلي باسترداد الحقوق المسلوبة وتقزّيم القضية المركزية ، لتصبح كل مطالبة بعدم التطبيع نوعاً من اللغة الخشبية المنبوذة، وقد بدأ ذلك بعدما نجح الإسرائيليون بتحويل وجهة الصراع من عربي إسرائيلي إلى صراع عربي فارسي وسنّي شيعي، حتى اختلطت في وعي بعض الفئات مفاهيم العدو والصديق والمقاومة والإرهاب.

المصـدر almayadeen  

                                               

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz