مؤشرات على دخول الإمبراطورية الأمريكية مرحلة الأفول

بقلـــم ” حســين عطــوي

الاقتصاد هو أساس قوة أي دولة في العالم، إن كان سياسياً أو عسكرياً، ومن دون شكّ فإن صعود الإمبراطوريات التي سادت عبر التاريخ، وتعاظمت وسيطرت، كانت قوتها الاقتصادية كبيـرة ، وأيضاً فإن ضعف وأفول هذه الإمبراطوريات كان سببه تراجع القوة الاقتصادية ما انعكس سلباً على قوتها العسكرية ونفوذها السياسي في العالم، وهذا ما حصل مع الإمبراطورية البريطانية والتي ضمرت وانحسرت عندما تراجعت قدرتها المالية. وهو الأمر نفسه الذي تعرضت له الإمبراطورية الفرنسية والإمبراطورية العثمانية، وقبلها الإمبراطورية الرومانية..الخ.

اليوم يبدو أننا أمام المزيد من الوقائع والمعطيات التي تؤكد أن الإمبراطورية الأمريكية تسير في نفس المسار من التراجع في قوتها الاقتصادية وبالتالي العسكرية وعدم القدرة على توفير الأموال اللازمة للإنفاق على قواتها كما كانت تفعل في السابق، عدا طبعاً عن عدم القدرة على تأمين الأموال لشنّ الحروب المكلفة. وهو ما يفسّر حالة الارتباك في السياسة الأمريكية الخارجية وتذبذبها في العديد من المناطق الساخنة في العالم. من شبه الجزيرة الكورية وبحر الصين الجنوبي مروراً بدول أمريكا اللاتينية مثل كوبا وفنزويلا وبوليفيا وغيرها، وصولاً إلى أوكرانيا وانتهاءً بسوريا والعراق.

أهم وأقوى هذه الوقائع والمعطيات ما ذكرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية المعروفة بدقة معلوماتها ومصادرها، حيث قالت إن ميزانية الدفاع الأمريكية أصبحت اليوم هي القضية الأهم والتي تحتل صدارة الاهتمام في واشنطن بسبب العديد من المؤشرات المقلقة الناتجة عن أن الميزانية الدفاعية باتت منخفضة لدرجة لا تستطيع الإيفاء بالتزامات الولايات المتحدة عالمياً. وهذا الضعف في الميزانية أدى إلى:

  • أولا: انعكاس سلبي على الجاهزية لدى الجيش الأمريكي وجعل وزير الدفاع جيمس ماتيس يقول إنه صُدم بجاهزية الجيش القتالية حين عاد إلى المؤسسة العسكرية بعد أربع سنوات من التقاعد، وقد أعادت “فورين بوليسي” السبب في ذلك إلى ما ذكره المحلل العسكري الأمريكي “دان غور” من أنه ليس لدى الجيش الأمريكي سوى ثلاث فرق قتالية من بين أكثر من 50 فرقة مجهّزة ومدرّبة لخوض صراع كبير، وأن نصف المقاتلين فقط من قوات المارينز والبحرية متوفرون للقتال نتيجة عدم كفاية الأموال اللازمة للصيانة.

  • ثانياً: تصنيف الجيش الأمريكي، وفق مؤسسة هاريتج، هامشي ويتجه نحو الضعف، حيث صنف المحللون التابعون لمؤسسة الجيش الأمريكي والمارينز على أنهما ضعيفان وسلاحي البحرية والجو على أنهما هامشيان.

  • ثالثاً: هذه الحقائق حسب «فورين بوليسي» تثير القلق أكثر حين نرى كيف يبني خصوم الولايات المتحدة بما فيها روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية ترساناتها على نحو سريع.

وأضافت «إن هذه التطورات خطيرة لدرجة تهدد بكسر مفهوم باكس أمريكانا الذي تكرّس ما بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945 ويترك الولايات المتحدة وحلفاءها عرضة للعدوان مشيرة إلى أن هذه هي المشكلة».

إن هذه المؤشرات الناتجة من انخفاض الميزانية العسكرية الأمريكية والتي تثير قلقاً بوليسياً، والذي هو ترجمة لقلق مؤسسة البنتاغون، ليست نابعة من سياسة إرادية مرتبطة بإعادة النظر بالسياسة الأمريكية، إنما هي سياسة اضطرارية أجبرت عليها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما وتستمر بها إدارة ترامب الحالية، وذلك بسبب تراجع القدرات الماليــــة للولايات المتحدة ووقوعها تحت عبء دين بلغ الـ20 تريليون دولار، وعجز في الموازنة يفوق الـ650 مليار دولار وبالتالي فإن أمريكا باتت مجبرة، أمام أعباء سداد فوائد سندات الدين المرهقة والاستمرار بالاستدانة لتأمين العجز في الموازنة، على اتخاذ إجراءات تقشف في الإنفاق وتقليص الموازنات العسكرية والامتناع عن شنّ الحروب البرية المكلفة.

ويبدو من الواضح أن هذا الدين والعجز وتقليص الإنفاق العسكري إنما هو عائد إلى الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الولايات المتحدة والتي عصفت بالاقتصاد الأمريكي وتفجّرت سنة 2008. على أن هذه الأزمة ناتجة عن عوامل عديدة أهمها تراجع معدلات النمو في اقتصاد أمريكا بفعل اشتداد المنافسة الاقتصادية العالمية على الأسواق والتي أنهت هيمنة أمريكا والغرب عموماً على الاقتصاد العالمي وأدت إلى انتقال مركز الثقل في الاقتصاد العالمي من الغرب إلى الشرق.

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz