(( الأسئلـة المركزيـة في التحديـد و التحليـل ))

بقلـــم: د. أحمـد الحـاج علي

  • هذه الحرب على سوريا هي شاملة مصيرية وتاريخية.

  • على قدر سوريا بالخصائص جاء قدرها بالعطاء.

  • سوريا العربية هي وطن الشهداء وطاقـة الاستيعاب.

سوف تبقى الأسئلة الثلاثة المركزية هي المنبع والمصدر بوحدتها الذي يتحدّر منه كل هذا الفيض المتلاطم والمضطرب ما بين صحيح عاقل وفاسد مهووس في الاستجابة والإحاطة بآفاق ومضامين هذه الحرب على سوريا والتي استقرت على أنها حرب كونية لكثرة ما اشترك فيها من الدول والأنظمة والتنظيمات والأفراد, والتي استقرّت كذلك على أنها حرب مصيرية أي أن مصيرنا ومصير الآخرين في العالم سوف يتحدّد على مسار الحرب وعلى نتائجها , والتي استقرت كذلك على أنها ظاهرة تاريخية لأنها برزخ بين زمنين, والعالم بعد هذه الحرب لن يكون كما قبلها وهذا التوصيف الشامل والدقيق هو الذي قدّم سوريا على هذا المستوى المُعجز في الأداء العسكري وفي الأداء السياسي وفي الأداء الاجتماعي ونعود للأسئلة الثلاثة المفتاحيـة ;

  • الأول منها هو لماذا اختاروا سوريا العربية أعني الوطن السوري من نظامه إلى تاريخه ومن مواقفه إلى تضحياته.

  • والثاني من الأسئلة هو لماذا أخذوا بهذا المنهج حيث العدوان على سوريا وهذه حالة لطالما كانت دائمة في التاريخ المعاصر إلى حرب شاملة على سوريا وفي سوريا , وهذه هي الحالة الأولى المريرة التي وازن فيها المعتدون ما بين الموت على سوريا والموت الإرهابي في سوريا وهذه هو المشهد الذي يؤسس لما عداه , فالأرض هي أرض سوريـة والاستهداف هو وجود سوريا الراهن وتاريخها ودورها في تيار المواقف على مدى قرن كامل على الأقل وبطبيعة الحال فقد كان من مستلزمات الإجابة عن هذا السؤال أن يجنّـد المعتدون أفراداً وشرائح ومجموعات وخلايا نائمة من الداخل السوري نفسه وأن يستتبع ذلك هذا التركيز على النمط الغرائزي في استثارة المواقف خارج سوريا و داخلها .

  • وثالث الأسئلة هو لماذا ركزت المؤامرة الكبرى على التلازم المفتعل ما بين الإرهاب بكل مسمّياته وأساليبه والفكر الإسلامي الذي حوّلوه إلى مادة للذبح والتدمير ونشروا من خلال ذلك أن كل شيء يتجه نحو الخلود والمتعة في الدارين الدنيا والآخرة ما دام السلوك الإرهابي يتبنى هذه الخاصية المشؤومة في الذبح والغدر وجـزّ الرقاب وموت الأطفال وفيه ومعه وعـد الشيطان بحوريات الجنة في الآخرة  وفي فقه وتطبيقات جهاد النكاح في الدنيا, إنها منظومة الأسئلة المؤسسة إذاً , وهي التي استوعبت مجريات الصراع بكل ما فيه من قسوة وبكل ما تطلبه من تضحيات صارت أيقونة الشرفاء وأسطورة العصر في هذا العالم وهذه مناقبية سورية تضاف إلى وعد الوطن السوري بالمواجهة والانتصار  ومن هنا سوف نتجه نحو الحقائق السوريّة في التحديد والتحليل .

تحتفظ خصائص بناء المواقف الكبرى بكل استمرارها وتطور اندفاعها مع كل مرحلة, وكثير من الأمم تاهت رحلتها رغم الآلام  والنوايا الطيبة في المسافة ما بين مقطع التأسيس في الموقف ومآل الموقف في الإنجاز والتطبيق  ولأسباب كثيرة يحدث ذلك لعلّ في مقدمتها انخفاض مستوى القيادة في تدارك منهجية التطور أو في نقص قدرتها على الاحتمال أو في تغييب نظام الأولويات والاستعاضة عنه بآلية رد الفعل المجزوء على الفعل المؤثر.

ولعله من هذه النقطة يحق لنا في وطننا السوري لا أن نستطلع حقائق ذاتنا ومرتسمات مواقفنا فحسب , بل أن نحدد ونحلل وندخل ونتداخل مع مسيرة الموقف السوري الوطني ولا سيّما في اتجاهين متلازمين الأول منهما يتمثل في التفاعل الحي والنامي بين ذاكرة المخزون التاريخي ومتطلبات المرحلة الراهنة والامتداد الواثق بعد ذلك إلى المستقبل . وأما الثاني منهما هو الذي يحقق معادلة الانتشار المشروع في الأداء الوطني أفقاً وعمقاً. بحيث تكون كل خطوة وطنية هي مصدر لتحولات غزيرة تغطّي مساحة الإنسان والزمان و المكان وبحيث تجري عملية المضاف الإيجابي من خلال التراكم العضوي للخبرة واكتساب الدرجات المتقدمة التي تضرب جذورها في عمق الوطن تاريخياً وفي موجبات الأداء اللازم عند كل مرحلة من مراحل التحديات التي تأتي إلينا عاصفةً ولا يتوقف هيجانها مهما تطاول الزمن . ولذلك نعود إلى أصل الفكرة لنقول بأن الأداء الوطني السوري استدرك عناصر منظومته الثلاثية واستجمع بصورة متفاعلة المحصلات الناجزة لإطلاقها في محصلات هي على الطريق أوهي في المدى القريب والمتوسط لنضال الوطن .والبناء الوطني السوري في الأداء انطلق من هذه المنظومة الثلاثية المتفاعلة والنامية والحيوية :

  1. إن الجزء الأساس في هذه المنظومة الثلاثية يتصل باستكمال عناصر الهوية تاريخياً وواقعياً , وبوضع كل الأحداث مهما كانت مؤلمة على معيار أصالة الوطن وخصائصه الكبرى ومصالحه المشروعة في السيادة والكرامة والوحدة . ونحن هنا أمام آفاق بلا حصر كلها تهيب في أبناء الوطن السوري أن يكون وطنهم الحي والراسخ هو البوصلة الأساسية في أنماط سلوكهم وهو درجة القياس في التعرف الواعي على أهمية التضحيات إذا ما انتسبت هذه التضحيات لسيادة الوطـن  ووحدته , لأنه في غياب المعيار الوطني التاريخي يتحوّل الالتزام إلى عقيدة , بل إلى واجب وأكثر من ذلك يتحول العطاء إلى مصدر يقيني لوجود الوطن ولإنجاز مهامه بدون تردد أو تخوّف من آلام متكاثرة وقوى معتدية متنافرة .

هنا نعثر على الجذر المؤسس للموقف الوطني السوري الراهن حيث هبّت كل العواصف علينا فاستوعبناها واستخرجنا منها بواعث للصمود و التصدي, و مع إيقاع الزمن الأصيل صارت التضحيات أصيلة أيضاً وهذا ما أهّلنا في سوريا لكي ننبعث , وكأن حالة الانبعاث هذه هي قصة أسطورية مع أنها لا تعدو كونها إنجاز للذات السورية واستكمال عناصر الصحوة بعد الكبوة وتحميل كل موقف على قياس الخصائص الوطنية السوريّة المستقرة و المستمرة .

  1. وفي الفاصلة الثانية من سياق المنظومة السورية المتكاملة توضّحت أبعاد اكتمال النمو بالتوسع الأفقي والعمودي في مواجهة المخاطر والتحديات . لقد نما الموقف الوطني السوري مع نمو هيجان العواصف المعادية وكان المشهد الحي يدلّ على ذلك إذ كلما أمعن الحاقدون والغزاة في استجماع قوتهم وفي تطوير عدوانهم وفي إدخال أسلحة نوعية جديدة في العدوان اكتشفوا مباشرة أن الأداء الوطني السوري يحقق استجابات تتفوق على ما أعدّوا له و على ما أطلقوه من مصادر العدوان في المعارك العسكرية والسياسية و الاجتماعية . ولعله عند هذا الجزء من المنظومة اكتشف الكثيرون من أبناء الوطن الذين وقعوا في مصيدة الخوف أو التشفي أو الحصول على المكسب الرخيص أنهم دفعوا الثمن مضاعفاً فقد باعوا أنفسهم بأثمان بخسة وأخذوا سلوكهم باعتبارات عابرة .

 ومن جهة ثانية قدّموا لقائمة المعتدين مبررات لذبـح الوطـن وللاستغراق في لغة القتل والتدمير , وكانت هذه الشرائح الضالة أو المضللة هي أسوأ وأضعف مناطق الانهيار في المشروع الإرهابي المعادي ولسوف يترتب على ذلك بطبيعة الحال إعادة النظر في أصول بناء الموقف بما يتماشى مع الأداء الوطني الفردي و الجماعي . ولن تكون الأمور هلامية أو متسيّبة كما اعتاد البعض أن يعيش وكما اعتاد البعض الآخر أن يرتزق على حساب الشهداء أو الشهادة و على حساب النقاء والوفاء لدى الغالبية العظمى من أبناء الوطن السوري.

  1. وفي المنظومة الموحّدة في جزئها الثالث تتبدى أهمية ومنهجية الربط والضبط بحيث تكون مقومات الموقف الوطني متكاملة وكل جزء منها هو استيعاب للأجزاء الأخرى وتمهيد مبرمج وثابت لإنجاز الحيوية على قاعدة القائم هو محرك القادم , وهذه الخاصية ليست مجرد ثقافة نظرية بل هي اندماج بالموقف ولا سيّما عبر التضحيات الكبرى ومشاركة في المسؤولية وانصراف عن الثانوي و العابر إلى الأساس و المحرض , لأنه ما من أمر أصعب من أن تضيع الخلاصات النهائية بعد أن أنجز الوطن المقدّمات الكبرى المقدّسة للوصول إلى المآلات التي هي ذاتها سمات ومستقرات كلّ المسافات السابقة وكلّ التضحيات المتواترة من زمن إلى زمن ومن جيل إلى جيل ومن معركة إلى أخرى.

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz