الصـراع المريـر بيـن العلـم والفهـم الخاطـئ للديـن

جميعنا يتغنّى بالإسلام وأنه دين يسع كل إنسان وكل فكر وكل فلسفة لأنه دين كل زمان ومكان ارتضاه الله ورسوله الكريم لكل العالمين, ولكن هل من العلماء من كان علمه سبب قتله أو نفيه أو صلبه من قبل رجال الدين وأولياء الرب في الأرض؟؟!!

إن تاريخ حروب رجال الدين للعلم والعلماء طويل ومرير. ولهذه القصص المحزنة التي تبيّن الصراع المرير بين العلم والفهم الخاطئ للدين عدد لا ينتهي .

كنت أقرأ عادة الكتب وبعد أن يذكر المؤرخ صفحات عديدة عن أحد الأعلام ، وفي نهاية المطاف يكتب: “مات مسموماً عام كذا والله أعلم …”!! دون أن يُجهد نفسه بمحاولة الإجابة على الأسئلة التي لا بد أن تثور مثل: لماذا قتل مسموماً؟ ما هي دوافع القتل؟ ومن يقف وراء هذا العمل؟! , فتثور لديّ أفكار عدّة يتركها تتضارب دون نتيجة “دين يسع كل فكر وعلم وفلسفة , نتغنى بمكانتنا العلمية السابقة , وفي المقابل جميع هؤلاء العلماء لقيوا حتفهم ….!!!!” .

فهل تعلم أن الطبري قُتل , وأن الحلاج المتصوف الإسلامي المشهور تهمه الخليفة المقتدر بالله بالكفر وحكم عليه بالموت. فضرب بالسياط نحو ألف سوط, ثم قطعت يداه ورجلاه, ثم ضربت عنقه وأحرقت جثته بالنار ثم ألقي ما بقي من تراب جثته في نهر دجلة, وأن المعري حُبس, وسُفك دم أبن حيان, وحرّقت كتب الغزالي وابن رشد والأصفهاني واتهموا في إيمانهم , وكُفّر الفارابي والرازي وابن سيناء والكندي والغزالي.

وهل تعلم أن ابن المقفع ” الذي كان يجمع بين لغة العرب وصنعة الفرس وحكمة اليونانيين, ومؤلف كتاب كليلة ودمنة وكتب أخرى كثيرة توضح ما ينبغي أن يكون عليه الحاكم إزاء الرعية, وما يجب أن تكون عليه الرعية إزاء الحاكم” ممّا أغضب الخليفة المنصور في صدر العصر العباسي الأول. فاتهم ابن المقفع بالكفر, وقطعت أطرافه ثم شويت أمامه ليأكل منها قبل أن يلفظ أنفاسه بأبشع أنواع التعذيب!! وفصلت رأسه, وألقى بباقي جسده في النار.

فقد لا يعلم عامة الناس ما قالوه عن ابن سينا الطبيب والعالم والفقيه والفيلسوف, وما قاله عنه ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان حيث قال: “إنه إمام الملحدين الكافرين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر”, وقالوا عن ابن الهيثم: “إنه كان من الخارجين عن دين الإسلام, وكان سفيها زنديقاً كأمثاله من الفلاسفة”, وقالوا عن أبي العلاء أحمد بن عبد الله المعري: “إنه كان من مشاهير الزنادقة, وفي شعره ما يدلّ على زندقته وانحلاله من الدين”, وقالوا عن محمد بن عبد الله بن بطوطة: “إنه كان مشركاً كذاباً”, وشتموا الكندي, وقالوا عنه: “إنه كان زنديقاً ضالاً”!!.

لسنا هنا للدفاع عن هؤلاء العلماء الذين رحلوا منذ أكثر من ألف عام, ولكن نحن ضد تسطيح عقول الناس وضد محاربة العلم والعلماء ظاهراً “وباطناً” , وبناءً على أن الإسلام حث المسلمين على شد الرحال لطلب العلم ولو كان خلف أسوار الصين فإن محاولات تكفير هؤلاء العلماء الأعلام, وتشويه صورتهم بهذه الأساليب البدائية تمهّد الطريق لتراجع مساهمات العرب في إنتاج وتطوير العلوم والآداب.

والاستنتاج الممكن الذي نخرج فيه, هو إن الدعوات التي استهدفت تكفير العلماء في الماضي والحاضر تهدف في حقيقتها إلى تكريس الجهل والتخلف, وتأخر ميلاد الإبداع في المجتمعات الإسلامية فتصبح الشعوب بأيدي رجال الدين والسلاطين يسومونهم كيفما شاؤوا ويوجهونهم نحو الفكر والعلم الذي يستهويهم فقط ويحافظ على مكانتهم .

إن الزندقة كانت وما زالت من أبشع الأسلحة التي تستخدم ضد العلماء والمفكرين فتزرع بدورها بذور الخوف والشك في المجتمعات الناهضة لتنمو أشجار الجهل والتخلف, وإذا بقينا على هذا الحال فعاجلاً أو آجلاً سوف نصل إلى ما وصلت إليه أوروبا في العصور المظلمة. فالتقدم له أسبابه. والتخلف أيضاً لا يأتي من فراغ. وقد ضاعت أمم قبلنا كثيرة حين حجبت الرأي, وحاربت العقل.

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz