لمَاذا يبقى دعم واشنطن لإسرائيل دون قيد أو شرط

بقلم ” بريان كلوهلـي “

 في الثامن من شهر كانون الأول الحالي, غرّدت مندوبة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة “نيكي هيلي” بما يلي: “لن تقبل واشنطن بمحاضرات من دول تفتقد إلى أية مصداقية عندما يتعلق الأمر بمعاملة الإسرائيليين والفلسطينيين بإنصاف”. وتعتبر هذه التغريدة بمثابة رفض مهين لردّ الفعل الدولي الذي أثاره قرار ترامب حول القدس واعتبارها عاصمة لإسرائيل. المندوبة الأمريكية لم تذكر الحقيقة الساطعة التي لا يمكن نفيها والتي تحدثت عنها صحيفة “النيويورك تايمز” وهي أن مجلس الأمن قد تبنى للتو عدداً من القرارات الدولية يعود بعضها إلى خمسين عاماً مضت تهدف جزئياً إلى منع إسرائيل من الادّعاء بسيادتها على كامل المدينة المقدسة. ففي العام 1968, وجّه العالم تعليماته إلى إسرائيل عبر القرار 252 بإلغاء الأعمال التي تهدف إلى تغيير وضعية القدس بما في ذلك مصادرة الأراضي والممتلكات وطالبها بالعودة عن كافة الاجراءات التي اتخذت بهذا الصدد وعن الامتناع اعتباراً من تاريخه وصاعداً عن اتخاذ أية أفعال مماثلة تخصّ المدينة. ولا يمكن لأفعال إسرائيل أن تكون أشد وضوحاً ممّا هي عليه في مخالفتها الصريحة والفاضحة لكلّ هذه القوانين وفي استمرارها في الأعمال المخالفة للقانون على مدى عقود من الآن. قبل عام من الآن, اتخذ مجلس الأمن  القرار رقم 2334 الذي أدان إسرائيل بما لا يقبل اللبس على خلفية استمرارها في بناء المزيد من المستوطنات في القدس وفي باقي الأراضي المحتلة وذلك لأن أعمال التشييد لا شرعية قانونية لها وتشكل انتهاكاً صارخا للقانون الدولي كما تشكّل عقبة كبرى تعيق إمكانية تحقيق حلّ الدولتين.

بعد دقائق فقط من صدور القرار, غرّد ترامب, الرئيس المنتخب الذي كان يتهيأ لدخول البيت الأبيض بعد شهر من تاريخه غاضباً: “فيما يتعلق بالأمم المتحدة, ستتغير الأمور بعد العشرين من شهر كانون الثاني” أي وصوله إلى سدّة الحكم واستلامه مقاليد الأمور. لنكن منصفين… الرجل حذرنا مسبقاً بأن الرئيس الأمريكي الجديد سيضمن ان سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط والتي كانت على الدوام مؤيدة لإسرائيل سوف تنطلق بأقصى استطاعتها لتدمير أيّ أمل بحلّ سلمي يمكن أن يتم التوصل إليه لمعالجة الوضع المأساوي في المستعمرات الإسرائيلية. ترامب سوف يعلن القدس عاصمة لكيان الإحتلال.

وكما هو الحال مع الكثير من القضايا الهامة في السياسة الدولية, داس ترامب على كلّ الآمال والتطلعات لملايين البشر وتجاهل بازدراء العالم كلّه ماعدا “دولة” واحدة. هو قال لنتنياهو في شهر شباط الماضي: ” أود أن أراك وأنت تنسحب من المستوطنات قليلاً”. وكان ذلك تصريحاً عبثياً لا معنى له. كان يعرف جيداً أن نتنياهو والصهاينة سوف يستمرون في سياسة الإحتلال غير القانونية وفي ممارسة الاضطهاد والمضايقات.. أما الآن فسوف يمضون في هذا السلوك بأقصى سرعة ودون أية كوابح. لم يؤيد قرار ترامب الذي يتعمّد تعطيل أية إمكانية لتسوية سلمية سوى عدد من القادة الأوروبيين الذين وصفتهم صحيفة الواشنطن بوست بأن معظمهم من المهووسين بالعداء للإسلام من أمثال رئيس تشيكيا واثنان من أكثر قادة اليمين المتعصّب تطرفاً مثل “غيرت فيلدرز” من هولاندا و “هانس كريستيان شتراشيه” من حزب الحرية النمساوي.

حركة ترامب الاستفزازية اللئيمة لاقت إدانة قوية جداً حتى داخل أروقة الأمم المتحدة حيث أصدرت كل من بريطانيا والسويد وألمانيا وإيطاليا بياناً مشتركاً خارج قاعة المجلس أدانوا فيها خطوة حليفهم الأمريكي واعتبروها لا تتفق مع قرارات مجلس الأمن وتضرّ بآفاق السلام في المنطقة”. الغريب في الأمر هو غياب الإدانة داخل الولايات المتحدة مع أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن حوالي (63) بالمائة من الأمريكيين يعارضون نقل السفارة إلى القدس ولا يؤيده سوى (31) بالمائة منهم. مع ذلك لم ينتقد قرار ترامب سوى قلة قليلة من أعضاء الكونغرس. صحيح أن بعض الديمقراطيين لم يحبّذوا القرار لكنه حظي بموافقة كاسحة بين أعضاء الحزب الجمهوري. يقودنا هذا إلى النفوذ الإسرائيلي في صناعة القرار الأمريكي. إذا كان أكثر من 60 بالمائة من المواطنين الأمريكيين يعارضون قرار ترامب, فكيف تسنّى لممثليهم المنتخبين أن يؤيدوه بهذا الشكل. بكلمة أخرى كيف يتخذ من يفترض أنهم يمثلون الشعب قراراً لا ترضى عنه أغلبية الشعب.

الجواب هو في المال. حيث يسجل موقع “الأسرار المتاحة” (Open secrets) أن التجمّع اليهودي الجمهوري قد أنفق 80 ألف دولار على أنشطة اللوبيات عام 2016 وأن  اللوبي الموالي لإسرائيل جي ستريت (الشارع اليهودي) أنفق على هذه الأنشطة حوالي (400) ألف دولار لكن من تربّع على رأس هذا الهرم هو العملاق الموجود في الساحة منذ أمد بعيد ألا وهو لجنة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية المعروف اختصاراً باسم الايباك والتي أغدقت ما يزيد على 3,6 مليون دولار على هذه الأنشطة هذا العام. المبالغ التي يتم التبرّع بها للسياسيين الذين يخوضون الانتخابات من قبل كلّ من مجموعات الضغط أو الأفراد الموالين لإسرائيل هي مبالغ هائلة. فقد تمّ شراء المشرّعين من قبل جهات تدعم إسرائيل وهؤلاء لن يثيروا أية أسئلة حول انتهاكاتها الفاضحة لقرارات مجلس الأمن. والأهم من ذلك أن عملاء إسرائيل هؤلاء يتدخلون بالعملية الانتخابية الأمريكية. خلال الحملات الانتخابية الرئاسية وحملات انتخابات الكونغرس, كانت الايباك وغيرها من العملاء يعملون لمصلحة إسرائيل ويحاولون التأثير على المرشحين لصالح جهة خارجية. وقد نجحوا في ذلك, كما اتضح ذلك جلياً في انعدام أي اعتراض في واشنطن على مخالفات إسرائيل الصريحة للقانون الدولي. لذا لم يكن مفاجئاً ما أوردته الصحافة حينها من أن مجلس النواب قد أقرّ بأغلبية ساحقة إجراءً حُظي بموافقة ممثلي الحزبين الجمهوري والديمقراطي يقرع فيه الأمم المتحدة على خلفية انتقادها للمستوطنات الإسرائيلية, معلناً بذلك دعمه المطلق لإسرائيل ورفضه لأي فعل أو قرار يمكن أن تتخذه الأمم المتحدة في المستقبل ويكون حسب وجهة نظرهم “أحادياً ومنحازاً ضدّ ما يسمّى إسرائيل”.  لكننا لا نرى سوى القليل من النقد في الإعلام الأمريكي السائد حول أسباب هذا الدعم غير المشروط لإسرائيل من جانب المشرّعين (أعضاء مجلسي النواب والشيوخ) في واشنطن. والمشكلة أن الكونغرس وترامب ليسا الوحيدين في دعمهما الحماسي لإسرائيل. فنائب الرئيس “مايكل بنس” كان من أوائل المتحمّسين المؤيدين لهذا القرار وذلك قبل أن يصل إلى هذا المنصب بسنوات عديدة. وعندما كان مرشحاً للحزب الجمهوري عن ولاية أنديانا تلقى عضو الكونغرس “المؤمن” (ما يزيد على 206 ألف دولار) كتبرعات من مصادر مؤيدة لإسرائيل. وكما ذكرت وكالة تيليغرافيك اليهودية في شهر آذار من العام الحالي 2017, عندما تحدث نائب الرئيس بنس أمام  الإجتماع السنوي للايباك والذي حضره حوالي 18,000 ناشط, كال الكثير من المديح لـ”إسرائيل”. ليس هذا فقط بل اعترف بالنفوذ الهائل الذي مارسته “إسرائيل” في انتخابات عام 2016 حيث أعلن صراحة: ” بفضل الدعم الذي قدّمه لنا الكثيرون من الحاضرين هنا في هذه القاعة, تمكن الرئيس ترامب من تحقيق نصر تاريخي.. الولايات المتحدة لن تسمح بعد الآن أن يتم استخدام الأمم المتحدة كمنبر لكيل الاتهامات والانتقاد لإسرائيل”.

الإعلام الأمريكي خصّص الكثير من الوقت والجهد في تغطية تدخل مزعوم قامت به دول أخرى للتأثير في مجرى انتخابات عام 2016 لكن من المثير حقاً أن هذا الإعلام لم يسأل مجرّد سؤال واحد حول التأثير الكبير الذي أحدثته وما زالت تحدثه “إسرائيل” عبر تدخلها في مجريات العملية الديمقراطية الأمريكية.

يبدو أن الدعم غير المشروط يمكن أن يشترى بالمال.

( ملاحظـة ): ما ذكر أعلاه لا يشكل سوى قمّـة رأس جبل الجليد الكامن في أروقة صناعة القرار. فما خفي كان أعظـم. ونحن إذ نقوم بترجمة ما ورد في المقال لا نتبنى بعض المصطلحات الواردة أعلاه. كما نود التنويه إلى أن  ما ورد أعلاه هو ترجمة لمقال نشر في موقع ( Strategic Culture Foundation )

 

 

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz