الترهيب والترغيب في كواليس السياسة الأمريكية

ليس جديداً القول أن الكثير من القرارات الدولية التي تبدو غريبة عن العقل والمنطق وتفتقد إلى الحد الأدنى من العقلانية والإنصاف إنما يتم تمريرها من خلال ألاعيب سياسية ومالية  تحبك وتنفذ من خلف الستار لخدمة مصالح قلة مالية متنفذّة تبيع الأوهام للناس من خلال إقناع كل طرف على حدة بأن تمرير مثل هذه المشاريع سيكون في مصلحته. وبهذا الأسلوب يقوم خصوم الامبريالية بمحاربة بعضهم بعضاً.

وبالرغم من انكشاف هذا الأسلوب ما تزال هذه المشاريع المشبوهة تجد طريقها إلى التنفيذ لأنهم يستخدمون أيضاً أسلوب الترهيب والترغيب مع الشخصيات المتنفّذة أو تلك التي يمكن أن تصل يوماً ما إلى السلطة بالتزامن مع سلاح الإعلام الفتاك.

في مقال له نشر مؤخراً على موقع مؤسسة الثقافة الإستراتيجية (Strategic Culture Foundation), يشير ” بريان كلوهلي” , وهو دبلوماسي بريطاني سابق خدم في الجيشين البريطاني والاسترالي, إلى الدور الذي يلعبه المال في إفساد صنّاع القرار في الولايات المتحدة ويذكر على سبيل المثال لا الحصر أن “مايكل بنس” نائب الرئيس الأمريكي حالياً قد تلقى هبات مالية ضخمة من مجموعات الضغط الموالية لكيان الاحتلال والتي تعرف باسم اللوبي الصهيوني أثناء حملته الانتخابية كمرشح  جمهوري عن ولاية إنديانا. لذا لم يكن غريباً أن يكيل المديح لما يسمّى بدولة “إسرائيل”  ولم يكن غريباً أن يؤيد قرار ترامب غير القانوني وغير الشرعي بخصوص القدس.. فقد أعرب عضو الكونغرس “المؤمن”  بنس عن تأييده لهذه الخطوة منذ سنوات عدة ممّا أعطاه الحظوة والترحيب في  تجمعات الأيباك ذات التوجّهات المعروفة.. والتي ساعدته في الفوز في الانتخابات وأوصلته إلى منصبه الحالي.

يعدّد الدبلوماسي السابق في مقاله أيضاً القرارات الدولية المتعاقبة حول القدس والتي تجاهلتها الولايات المتحدة كلها وتجاهلت معها كل الاعتراضات الدولية التي أطلقت حتى من أقرب حلفائها.

“كلوهلي” ليس الوحيد الذي أثار هذا الموضوع. وما ذكره بهذا الصدد لا يشكل سوى قمّة رأس جبل الجليد.. فما خفي كان أعظم بكثير..وبالمناسبة,  سبق أن تحدثت عضو الكونغرس سابقاً ” سينثيا ماكيني ” حول  النفوذ الهائل لمنظمة الايباك وغيرها من اللوبيات الصهيونية في أروقة القرار السياسي الأمريكي وكشفت أن على أي عضو في الكونغرس أن يقسم قسم الولاء للصهيونية كي ينال العضوية. تقول السيدة “ماكيني” أنها لم تكن حينها تعرف ما هي “الصهيونية” وأنها عرفت ماذا تعني هذه الكلمة فقط عندما فازت بمقعد في الكونغرس وطلب إليها أن تقسم قسم الولاء لمنظمة أجنبية وأنها بدأت تتعرض للهجوم الكاسح من قبل الموالين لهذه المنظمة عندما بدأت نشاطها لخدمة الشعب الأمريكي كما يفترض أن تفعل وعندما بدأت بطرح الأسئلة الصعبة التي لا يرغبون بسماعها إلى أن تمكنوا من إفشالها في الانتخابات التالية وإخراجها من الكونغرس كلياً.

وليس غريباً أيضاً أن لا تتحدث وسائل الإعلام الأمريكية حول هذه المخالفات الصريحة للقانونين الدولي والأمريكي.. فمعظم هذه الوسائل مملوكة كليا أو جزئيا من الجهات ذاتها التي تخدع الناس لتمرير أجنداتها المشبوهة.

وسائل الإعلام هذه أقامت الدنيا ولم تقعدها عندما اتهمت روسيا بالتدخل في مجريات العمليات الانتخابية لكنها لم تنطق ببنت شفة حول الدعم المفضوح والتدخل العلني الذي تقوم به لوبيات الضغط الموالية لكيان الاحتلال في تحديد الأشخاص الذين يفترض أن يمثلوا الشعب الأمريكي لا جهة خارجية كما هو الحال اليوم.. ونادراً ما تتحدث  وسائل الإعلام الأمريكية عن الأموال  الضخمة التي تدفعها لوبيات الضغط الموالية لكيان الاحتلال لإيصال أشخاص موالين لهم إلى سدّة القرار  و إلى مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين..

بقي أن نقول أن الأشدّ إيلاماً من هذا كله هو أن العرب عندما استيقظوا على هذه الحقائق وعرفوا أهمية “اللوبيات” في التأثير على صناع القرار الدوليين, قاموا باستخدام هذا النفوذ ضد بعضهم بعضاً وضد مصالح الشعوب في المنطقة. وهكذا نجد الأموال السعودية والخليجية عموماً تنفق في التأثير على صنّاع القرار لتشديد إجراءاتهم المعادية لدول المنطقة وشعوبها لا لتخفيفها كما يفترض..وهم بذلك إنما يقدّمون أموالهم هبة مجانية للمتآمرين.  وعلى سبيل المثال,  تحدثت بعض التقارير الإعلامية قبل فترة من الآن حول الأموال والهدايا السخية التي كان يغدقها  الدبلوماسيون والمسؤولون الإماراتيون للتحريض ضد قطر.. بينما  تحدثت تقارير أخرى عن الأموال التي تلقاها “مارتين أنديك ” ومركز دراساته المشبوه المعروف باسم مركز (سابان) للدراسات التابع بدوره لمؤسسة صهيونية التوجهات  وهي معهد بروكننينج للدراسات من دولة قطر قبل عدة سنوات من الآن..

وتقول تلك التقارير أن “مارتين أنديك” تلقى ما تصل قيمته إلى حوالي (14) مليون دولار.. حيث أثار الموضوع حينها ضجة في وسائل الإعلام الأمريكية لكن بالطريقة المخادعة ذاتها.. إذ اعتبروا أن هذه الأموال تنفق لتمرير المصالح القطرية التي وصفوها حينها بأنها “معادية لإسرائيل”.. وللقارئ أن يتخيل حجم الضحك على عقول الناس في مثل هذه الأقاويل  فمن لا يعرف “مارتين أنديك” وما فعله في السر والعلن لخدمة كيان الاحتلال؟ الرجل قام بخدمة الأجندات الإسرائيلية كما لم يقم بذلك أحد من قبل أو بعد.وقد عمل علانية  كرأس حربة في الحرب القذرة على سورية وفي التحريض ضدها في المنابر الدولية. ولقاؤه مع وزير الخارجية الفرنسي الأسبق “ألان جوبيه” والتآمر العلني ضد سورية خير دليل على ذلك. ومع ذلك  حاولوا القول بأنه لم يعد موالياً للكيان بما يكفي !!!. المشكلة ليست في هذه المواد الإعلامية المكشوفة.

المشكلة هي فيمن تنطلي عليهم محاولات خداع مفضوحة كهذه.. ومن حسن الحظ أننا الآن في زمن تحولات كبرى وفضاء إعلامي واسع يتيح تبادل المعلومات حول ما يجري ويسمح بكشف الكثير من المؤامرات التي تدار في السر وفي العلن. وقد أتاح هذا لأعداد متزايدة من الناس أن تعرف حقائق الأمور أو على الأقل بعضاً من هذه الحقائق ولم تعد تنطلي عليها ألاعيب الإعلام المأجور.

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz