كيف نستعيد الشعوب التي سُـرقت منا

بقلــم ” نـارام سـرجون “

كيف للحياة أن تنهض من الموت؟ وكيف أخرج كالمولود من فوهة بندقية عدوي كما يخرج الزهر من فوهة غصن أخضر، فطوبى لأعدائنا الذين يخرجوننا بالموت إلى الحياة، فالمسيح لو لم يقتله الصليب لماتت رسالته ببقائه، ولكن صلبه كان بعثاً له ولرسالة الخلاص للإنسان .

فمن قال أن الأمم تحيا إذا مات أعداؤها، بل اغفروا لي إن قلت أن الأمم لا تعيش إلا بأعدائها وجراحها، فالأمم التي ليس لها عدو تبحث عن عدو داخلها إلى أن تقتل نفسها وتمزق نفسها وهذا هو ما قاله ابن خلدون من أن الأمم تقاتل عدوها لتتحضّر وتسترخي وتمسي بلا عدو، وما أن يغـيب العدو تغيب عنها العصبية والشدّة حتى يحلّ بها الخراب، وهذا هو دين الحضارات ولذلك فإن الحضارة الغربية تبحث دوماً عن عدو يشدّ أعصابها ومجتمعاتها ويبقيها مستنفرة على قيد الحياة.

فغياب العدو عن أي حضارة يعني أنها تفقد الأدرينالين في جسدها وتفقد ذلك القلق الوجودي الذي يدفعها للاحتراس من الفناء، ومن هنا نجد أن المجتمع الصهيوني في فلسطين يصرّ على إبقاء وقود البقاء وزيت الوجود متدفقاً في عروقه من خلال بقائه في صراع مع أي شيء في محيطه وإلا فإن تناقضاته الداخلية الكثيرة ستتفجر وتنهيه، وهو ما كان دعاة السلام العرب يروجون له من أن السلام يقضي على إسرائيل.

ونسي هؤلاء أن السلام قتلهم قبل أن يقتل إسرائيل، فالسلام مع إسرائيل قدّم له قربان عربي كبير بحيث إن من ينتظر أن تموت إسرائيل بالسلام مات قبل إسرائيل، وليس لموت إسرائيل بعد موته أي معنى، إذ لا يحتفل الموتى بالانتصار ولا يشربون الأنخاب.

ففي النظريات الماركسية كنا نقرأ عن صراع الأضداد، وأن التناقض الرئيسي يلغي التناقضات الثانوية أو تكون له الأولوية، وكان منظرو الماركسية يطبّقون ذلك على الصراع العربي الإسرائيلي ويقولون أنه التناقض الاجتماعي والسياسي الأساسي في المنطقة الذي يجب أن تكون له الأولوية يجب حلّه قبل حل التناقضات الاجتماعية الثانوية وأن دول النفط والرجعية ترى مصلحة لها في بقاء إسرائيل وهي لا تريد أن يحل الصراع العربي الإسرائيلي لأن بقاءها مرتبط باستمرار انشغال الجماهير عنها في الصراع مع التناقض الرئيسي المتمثل بالصهيونية.

لكن حدث شيء ما اخترق هذه النظرية، ففجأة التفتت الجماهير بشكل غير متوقع لتعالج تناقضاتها الثانوية قبل التناقض الرئيسي الوجودي المتمثل في الصهيونية، وهو أمر لابدّ من الـتأمل فيه لأن ضرب أركان نظرية ابن خلدون والنظرية الماركسية ضربة مزدوجة يستحق التوقف، فنامت مصر في سرير كامب ديفيد ونام الأردن في سرير وادي عربة  وشخر الفلسطينيون في سرير أوسلو، وهنا حدث التلاعب أو النتيجة المتوقعة والحتمية لهذا الانقلاب والغياب لطيف العدو.

في سورية تعرضنا إلى نفس التجربة، ووجدنا أن مشروع الربيع العربي هو لتدمير التناقض الرئيسي والبحث في التناقضات الداخلية الثانوية في سورية وتفعيلها بين تناقضات الطوائف والعلمانية واللاعلمانية، وكاد التناقض الأكبر والأخطر مع المشروع الصهيوني يحظى بالتلاشي أمام استفحال الشعور بالتناقضات الداخلية. وستبقى الدول العربية التي تبحث عن تناقضات وهمية مع إيران ومع الفلسطينيين ومع الأكراد والأمازيغ منهمكة في صراعات لا تتوقف ولا تنتهي.

الآن يجب أن نعرف كيف تنهض الحياة من الخوف من الموت فطوبى لأعدائنا الذين يخرجوننا بالموت إلى الحياة، فكلما قتلنا العدو أحياناً، وكلما صلبنا عدونا على صليب المحن هزمناه بآلامنا التي تنتصر.

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz