بروميثيوس والنـــار

في البلاد التي نسميها اليوم اليونان ، وقبل قرون من الزمن كان قد عاش فيها شعب الهيلينيين أو الإغريقيين القدماء. وهو من أكثر الشعوب حكمة في ذلك التاريخ القديم.

في تلك البلاد يوجد جبل عالٍ تختبئ قمّته بين الغيوم، اسماه الإغريقيون آنذاك بالجبل الأولمبي, وقد تخيلوا أن قمة الجبل كانت بمثابة السماء حيث تعيش فيها آلهة كثيرة صاحبة قوة جبّارة ،هي التي خلقتها. كان زيوس بمثابة الملك، وسيد جميع تلك الآلهة.

كان الإله الأعظم والأكثر جبروتاً فكلما كان يغضب كان يطلق الرعود والصواعق فوق الأرض ، فتختبئ الناس وهم يرتجفون من الخوف حتى أن الآلهة الآخرين كانوا يرتعدون خوفاً.

كان زيوس قد أخذ من جبل الأولمبي مملكة له  يحيط به مجلس كبير مؤلف من: زوجته “هيرا ،Hira ” الآلهة الملكة وأولادهم، وفيبوFebo إله الشمس وإله الموسيقى والشعر، والآلهة ارتميسا Artemisa، الآلهة القمر آلهة الصيد وحامية الشباب، وبلاس أثينا آلهة الحكمة  وآرس إله الحرب ، وحادس إله الثروات ، وافروديت آلهة الحب والجمال ، وهيرميس* إله التجارة ،وآلهة آخرون كثيرون.

بين تلك الآلهة الكثيرين والكائنات فوق الطبيعيين الذين عاشوا في جبل الأولمب كان بينهم بروميثيوس العظيم  الذي تجرأ على تحدي الإله الملك المرعب.

كان بروميثيوس واحداً من الذين خُلقوا على الأرض قبل أن يُخلق الناس بكثير من الزمن. فلقد كان بروميثيوس مسؤولاً عن خلق الإنسان نفسه, فقد أخذ حفنات من تراب اليونان ، وعجنها بالماء فصنع شكل إنسان وأعطاه الحياة والقوة كي يمكنه مضاعفة نفسه، وصنع قواماً للهيئة البشرية وكما تخفض الحيوانات رؤوسها لتنظر إلى الأرض فلقد جعل الإنسان يرفع رأسه لينظر إلى السماء.

أحـبّ بروميثيوس الناس الذين خلقهم ، وأراد لهم الخير ممّا تعطيه الأرض وكلّ ما يمكن أن يمنحهم السعادة. لكن زيوس العظيم شعر بأنه مهتاج لأن بروميثيوس فضّل الناس بمعاملته فلقد أرادهم زيوس أن يكونوا خانعين وبائسين، لم يكن يرغب في أن تكون لهم أية قوة لخوفه من أن يجرؤوا في يوم ما على الاستيلاء على مملكته.

لكن بروميثيوس كان سعيداً، وهو ينظر إلى الناس وهم يواصلون حياتهم، وهو على أتم الاستعداد لخدمتهم حتى ولو كان عليه أن يتحدى غضب زيوس. كان يراهم وهم يروحون ويأتون نشيطين، سعيدين .

لكن عندما جاء الخريف وأطلق أول برد الشتاء صَفيرَه، رأى بروميثيوس الناس وقد كفّوا عن الفرح، ورآهم يرتجفون ويظهرون علامات الأسى.

كان للحيوانات جلود سميكة كثيفة الشعر، وبإمكانهم أن يلجؤوا إلى كهوف الأرض لكن الإنسان لم يتمكن من حماية نفسه وكان يعاني.

تأثر بروميثيوس بآلام المخلوقات التي خلقها.فكّر أن يحضرها إلى الأولمب الذي لا يقربه فصل الشتاء ، لكن زيوس كان هناك، ولم يكن يسمح بدخول المخلوقات البشرية إلى هناك، فكان على بروميثيوس أن يفكر في طريقة أخرى لمساعدة البشر.

فكر وفكر ، وجاء يذّكر إله البركان “هيفايستوس، Hefaisto” أحد أبناء زيوس المعاقبين في العمل في إحدى أكوار الحدادة الكبيرة جداً على الأرض ، حيث كان يصهر الصواعق والسلاح لوالده.

قال بروميثيوس:” أجل ، يمكن للبركان أن يمنح القليل من نيران المرجل”. خرج بروميثيوس ليلاً من جبل الأولمب ، وأخذ يهبط من نجمة إلى نجمة كي لا يكتشف زيوس أمر مغامرته هذه.

وعندما وصل إلى الأرض بحث عن كهف عميق إلى جانب البحر، ومن خلال مغارة بين الصخور أخذ ينزل وينزل عبر زوايا حجرية، وهو يبحث عن كور الإله، وفي نهاية الطريق المعتم خرجت شرارة من النار، وهناك وصل وأمام البوابة الضخمة لمحددة البركان نادى بضربات قوية ، اهتزت بين ضجيج السنديان والمطارق، فانفتحت البوابة وتفاجأ البركان عندما رأى بروميثيوس، كان بروميثيوس يعلم جيداً أنه يمنع على البركان أن يوقف نيران الآلهة ، لكنه حاول أن يؤثر على قلبه فقال لـه: ” لقد خلقنا الناس ، وهم يعيشون هنا، ويعبدون زيوس، لكن فصل الشتاء قد حلّ ، وهم يعانون ويموتون من البرد ، ولا يمكننا تركهم بلا رحمة”!!.

” نعم ! أجاب البركان حقا! ما تقول، لكنك تعلم جيداً إننا لا يمكننا فعل أي شيء من أجل إنقاذهم من غير أن يقول زيوس ذلك”!! وتابع البركان يصهر الأحمر الحيّ يحوله إلى صاعقة سماوية.

 في تلك اللحظة التي تظاهر البركان فيها بأنه منهمك في عمله، قام بروميثيوس وبسرعة بإضرام شعلة ، وهرب بها وسط العتمة بين الصخور.

في ذلك اليوم لحق الناس ببروميثيوس وأحاطوه ، وهو يحمل وهجاً في قبضة يده ، فقدّم لهم النار عدوّة البرد وقال لهم:
” يمكنكم أن تحافظوا عليها ، وتبقوها حيّة بأن تقدموا لها أغصان الأشجار اليابسة “.

وارتفعت صيحات وأغاني الامتنان لصديق الناس الذي أحضر لهم الوهج الذي يعطي الضياء والدفء ، ويصهر المعادن على شكل محراث وأسلحة الصيد و عملة النقود.

اشتاط زيوس غضباً ،عندما علم أن الناس امتلكت النار، وهو الذي كان قد أقفل عليها في جوف الأرض ، فهبط إلى السرداب ليسأل البركان: ” هل كنت أنت من منح النار التي أعطيتك لتخبّئه “ا؟؟

 أجاب البركان وهو يتمنى أن لا ينكشف أمر بروميثيوس فقال:

 “لا !!لا لست أنا!! فأنا من عمل واشتغل عندك ، فصنعت لك أجمل الأسلحة والتي لم يكن أحد قد صهرها من قبل ، تعال ومتّع نظرك بهذه الأسلحة”.

لكن زيوس لم يتوقف عن سؤاله حتى يعرف الحقيقة، وقال للبركان: ” أطِعني الآن !! اصهر السلاسل الأكثر صلابة من نيران الكور هذه ، سوف أُقيّد بروميثيوس بها هناك على صخرة في أقصى الأرض، وسوف يقوم أحد طيوري الجوارح وليكن النسر بتعذيبه ليلاً ونهاراً والى الأبد”.

وعاد زيوس إلى الأولمب ، بينما بدأ البركان بصهر السلاسل ، ولما انتهى أخذها إلى صخرة كبيرة في القوقاز، حيث كان هناك ينتظره رُسُلُ زيوس ومعهم بروميثيوس .

ثقب البركان الصخرة الكبيرة، وثبّت فيها الحديد، وربط السلاسل في زندي وعقبي بروميثيوس ، وأدار الإله البركان رأسه وابتعد بخطوات طويلة حتى لا يرى البطل وهو يتعذب.

وبقي بروميثيوس مقيداً بالسلاسل، ووجهه مرفوعاً نحو السماء، وفوق الصخرة بدأ طائر النسر يحوم، كي يلتهم أحشاءه يوماً بعد يوم.

كان بروميثيوس على ثقة بأنّ الناس لن تعاني البرد بعد، وهذا ما كان يواسيه في عذابه فلم يدع الألم يهزمه ، ولم يفقده الأمل بالحرية.

وفي يوم صادف فيه أن مرّ “هيركوليس،Hercules** ” (ويعرف أيضاً باسم هرقل) بالقرب من الصخرة التي قيدوا بروميثيوس عليها ورأى هيركوليس كيف كان النسر يهبط ليلتهم الكبد من الصدر المفتوح للرجل العظيم غير القادر عن الدفاع عن نفسه ، فأحسّ بالغضب من قسوة التعذيب .

استلّ هيركوليس (هرقل) قوسه الضخمة ، ووضع السهم القويم وأطلقها على قلب النسر، ثم صعد إلى الصخرة وبذراعيه الجبارتين حطّم سلاسل القيود ، لكن إحداها بقيت عالقة في قدم بروميثيوس و بهاً أيضا القاعدة التي ثبتت مع قطعة من حجر الصخرة .

قال بروميثيوس له: ” لقد أَمضيتُ هنا سنوات وسنوات إلى أن جئت أنت قل لي يا هيركوليس كيف يمكنني مكافأتك ” ؟. اصطحب بروميثيوس هيركوليس ليريه إحدى مآثره ، وعادا فيما بعد إلى حيث يعيش الناس كي يساعدوهم ويسرّون برؤيتهم.

لكن ومن وسط الأولمب رأى زيوس بروميثيوس حراً طليقاً ، فغضب، لكنه ظنّ أنّ قراره قد تم تنفيذه إذ أن البطل كان يجر السلسلة وهي مثبتة بقدمه ، وكذلك كان القيد مثبتا بقطعة الصخر. عاد بروميثيوس إلى الأولمب ليواصل حياته مع الآلهة لكن على الأرض لم ينسه الناس أبداً.

كل سنة يقيمون احتفالاً على ذكراه ، حيث الشباب الأكثر قوة والأكثر سرعة بالركض يتناقلون في قبضاتهم جذوة مشتعلة ويركضون بها في المدن الإغريقية، في احتفالات سباق تخليدية للبطل الذي جلب النار .

ملاحظة: تعتبر هذه الأسطورة اليونانية الخالدة مصدر إلهام لعدد لا يُحصى من الأعمال الأدبية نظراً لغناها اللامتناهي من حيث الرموز والمعاني.. واختيارنا لهذا النص دون سواه لا يعني أنه الأفضل.. لكنه قد يثير لدى القارئ. حافز الفضول والبحث والتأمل.

 

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz