من حلـب إلى القـدس , منهـج التضحيـات و مؤشـرات النصـر

بقلــم د. أحمــد الحــاج علــي

  • الغدر عند الأمريكان و الإرهاب غريزة محركة.

  • اليد على الزناد والقلب والعقل نور على طريق السلام.

  • لهم جحورهم , ولنا تاريخنا ومناقبنا ووعينا.

لطالما مدّنا التاريخ بمقدّمات و شواهد أساسية هي التي نستخلص منها خط السير في الظاهرة الاستعمارية الكبرى, وإننا نحتاط سلفاً بالتأكيد على أن خط سير هذه الظاهرة لا يتكرر ميكانيكياً إذ هناك باستمرار تعديلات يقتضيها الظرف الراهن وإضافات تنقل السلاح والمسلح إلى آفاق أكثر خطراً بتعميق خطى الجريمة ولا سيّما عندما تتقدم التكنولوجيا لتتحول إلى مادة أساسية في تنفيذ العدوان .

ولعله من القواعد الهامة التي تنظم ظاهرة العدوان هذه المتلازمة ما بين قوى العدوان نفسها وإدخال شرط الغدر في مسيرة وثنايا هذا العدوان – وسلفاً نؤكد أن الظاهرة الاستعمارية مدانة من مبتدئها إلى خبرها – ومهما تغيّرت فيها التفاصيل ومهما تنوعت أساليب التنفيذ الهمجي فإن الغدر يستقر كقانون ينتظم الجريمة الاستعمارية الوحشية, ومن الواضح أن التأكيد على ذلك يتطلّب من المقاومين أن يبقى وعيهم عميقاً وراسخاً في غدر القاتل, ومهما جرت من تحولات أو تعديلات عند المعتدين فإن الجوهر يبقى راسخاً ومتجذراً لاسيّما في منحى الغدر الذي يستهلك وقتاً في إعداده ولكنه سرعان ما يجد منفذه إلى الضحايا.

ولسوف نلاحظ هذا الجذر في تحليل السلوك الأمريكي الإرهابي في الأيام الأخيرة , فقد كانت كلّ المؤشرات و الوقائع تخبر عن تغيرات مهمة أنجزها الوطن السوري بالشهادة والشهداء وبصبر الشعب وبحكمة وحيوية التعامل السياسي مع الظاهرة الإرهابية ومن يمثلها وما يمثلها .

كان هذا التيار السوري يقدّم حقائق عن التزام هذا الوطن بالسلام و الحوار معاً ولا سيّما أن الحرب لدينا ليست هواية أو غواية, إنها وسيلتنا المدخرة والمحمية بالقيم والأخلاق في مواجهة الخطر ودفع الموت عن أنفسنا والإهتراء عن مصيرنا لذلك اكتسبنا خبرة أن تبقى يدنا على الزناد وأن تبقى قلوبنا نابضة برغبة الوصول إلى حلول مشرّفة .

ونحن وطن مباح بالتأكيد لكنه ما كان ولن يكون مستباحاً لا في اللحظة الراهنة ولا في مستقبل الأيام , ويعلم معنا كل العالم أن وطننا السوري قد أنجز وعد تحرير الوطن من الدنس ودحر الإرهاب بعناوينه الكبرى .

وهنا ذهبت الاتجاهات السوريّة عبر الأصدقاء والحلفاء لفتح الفرصة أمام الإرهاب ومشغليه لا سيّما في طرح فكرة المؤتمر الوطني في سوتشي , كانت هذه لقطة مهمة وتاريخية وكنا جميعاً نضع أيدينا على قلوبنا لأننا نعلم علم اليقين بأن الغدر عند الأمريكان والإرهاب متحفز خلف الأبواب لينطلق من جديد وهذا ما بدأ بالتسرب إلى الواقع من خلال المعارك التي شارفت على نهايتها وهنا نلاحظ أن السياسة الأمريكية خرجت بصورة فجّـة لتؤكد أن القوى العسكرية الأمريكية في سوريا لن تخرج لمجرد تلاشي الإرهاب ولن تخرج لمجرد عقد المؤتمر الوطني السوري في سوتشي.

كان ذلك مؤشر على نزعة التعقيد والتعطيل لا سيّما أن الأصدقاء الروس أعلنوا إعادة انتشارهم في سوريا , وفي سياق ذلك حرّكوا القوى الإرهابية من الشمال إلى ما حول العاصمة وتلازم ذلك أيضاً مع اختلاق فتنة في إيران الشقيقة وكان المراد من ذلك كله قطع التحولات الوطنية السورية وافتعال مجالات سلبية مع الصديق والشقيق في سياق واحد.

لطالما توافق أصحاب الرأي في قناتي التحليل السياسي والتمييز الحضاري على أن هذا العدوان على سوريا ومنذ مقدماته إلى تطبيقاته , إنما هو حالة مركبة وشاملة ومن هنا نرى أن أدوات القتل ومسارات هذا القتل لا تتوقف عند حد المواجهات العسكرية و لا سيّما بعد أن توطدت أفكار الإرهاب وممارساته على خيار الغدر والقتل بالمفخخات والاستهداف العشوائي لأي فرد في الوطن ولأي حجر في بناء الوطن, ويدفعنا ذلك إلى التدقيق ليس فيما يفعلون فحسـب ولكن النفاذ إلى المصادر الكبرى التي ينتمي إليها هذا الإرهاب , لأن العدوان علينا إنما يتطلع إلى تطوير نسق الخطر المادي بكل أدواته المعاصرة ولكنه يتطلع أيضاً إلى أن يُحدث الخلل والخلخلة في بنية المجتمع السوري ولا سيّما عبر فصل هذا الوطن عن تاريخه حتى تتشكل فجوات كثيرة تتحول مع الإجهاد وغزارة التضحيات إلى منافذ وزوايا أمان كما يتصور المعتدون .

يريدوننا في هذا العدوان أن نلغي ذاكرتنا وبالتالي أن نلغي موقفنا الراهن وأن يكون الالتجاء إلى الواقعية القاتلة هو الممر الإلزامي للهروب من آلام الواقع وعلى هذا الأساس ندرك الآن لماذا تتحرك أنماط سلوك المعتدين إلى المواقع والزوايا الآمنة بدلاً من أن تكون كل المعارك في ميدان المعارك وبالأدوات المعدّة أصلاً لهذه المعارك.

هنا تبرز مكونات الثقافة والفكر الخطير في الإرهاب ومشغلي هذا الإرهاب , حيث لابدّ من انفصام الشخصية في حياتنا الوطنية وعندها يتوقعون أن نصل إلى حد تقبيل يد الجلاد والاستسلام للقاتل والاعتقاد بأن الضحية هي الخطر وبأن الهمجية والقاتل معاً هما الملاذ و الملجأ, ولذلك يجري هذا التركيز الثقلي والنوعي على سحب حقائق التاريخ واستبداله بصيغ مزورة يضخون فيها السم بالدسم وتؤهل القاتل لأن يمشي في جنازة القتيل, لقد بنى الهمجيون ومن وراءهم الخطة والخطى على هذا الأساس , وكان من موجبات ذلك هذا التوغل الوحشي في مفاصل ومكونات الوطن حتى لو تتطلب ذلك الاستيلاء على المقدسات الدينية وتحويلها إلى مادة سوداء سامة في تنفيذ الجريمة الكبرى.

وفي ذات السياق كان لابد عندهم من التغـوّل ووحشية القتل وهمجية الفعل المنكر لعلّ ذلك كما يتصورون يؤدّي إلى الاستسلام المطلق عند الشعب وكل ذلك يقوم على أساس الفصل المطلق إلى حد التناقض بين الإنسان وذاته وبين الإنسان وتاريخـه وبين الإنسان ومعتقداته وبالتالي بين الإنسان ودوره وانبعاثه .

لكن حلب الشهباء أدت وأنجزت دوراً هو الأصل و الجذر وهذا ما لم يفطن إليه المجرمون . لقد كانت حلب باستمرار طاقة لا تنضب للعطاء و النماء ,  وتاريخاً يتحرك من أعماق الزمن لكي ينبعث في هذه اللحظة بكل طاقة تاريخ وبكل إعادة إنتاج هذه الطاقة في الزمن الخطر, وهنا كانت المفارقة الكبرى بين مشروع للغرباء يقوم على القتل وبين موقف سوري في حلب يقوم على الإيمان وعلى القيم الراسخة .

يتخذ التاريخ عند الأمم الحية في مساره الزمني وضعية التناقض تارةً و وضعية التقاطع تارةً أخرى , و ما دام هذا التاريخ هو تعبير عن وقائع حية وذات تأثير في الراهن والمستقبل فإنه يصلح أن يكون مصدراً للبحث والدراسـة واستخلاص العبر والحكم لا سيّما في الزمن الصعب والعاصف كالذي يمر به وطننا السوري الحبيب هذه الأيام .

ولعلّ من الأمثلة والشواهد على مقتضيات هذه المقدمة هو هذه المواكبة ما بين حلب والقدس الشريف, وليس في الأمر مصادفة أو تكهناً, إنها وقائع التاريخ والتحولات التي حملتها هذه الوقائع, وهنا علينا أن نعود للأصول التي تجمع هذه الأمة ولا سيّما في بلاد الشام عندها تبدو المسافة الواسعة جغرافياً ما بين المدينتين الخالدتين هي أقرب إلى الوحدة لا سيّما حين نثبت المقدمات التالية:

  1. في هذه المنطقة من حلب شمالاً إلى القدس جنوباً تتكرّس باستمرار خطوط حضارية موحدة سواءٌ باستهدافها من العدو الخارجي أو بالأداء النضالي الذي يعيد لسورية الطبيعية دورها و ريادتها واستقرارها . و لن نوغل في التاريخ القديم كثيراً رغـم أننـا معنيـون بأن نؤشـر على كل الموجـات الاستعماريـة والإمبراطوريـة القادمـة من الشمـال والمتجهة نحـو الجنوب, بل سوف نتمعّن قدر الإمكان بمفاصل تاريخية منها الدولة الحمدانية في حلب ومنها النضال الموحّد ضد المغول والتتار, ومنها مواجهة عدوانات الفرنجة التي أنتجت نصر حطين وتحرير بيت المقدس في المرحلتين ( الصليبيتين ) الأولى والثانية .

  1. كان المشروع المعادي على الدوام يأخذ بعين الاعتبار بالاستهداف والتنفيذ وحدة هذا الخط من شمال سوريا عبر حلب ومروراً بحماة وحمص ودمشق والكرك في الأردن واستقراراً في مدن الخليل والقدس الشريف, و باستمرار كان الموقف في الرد العربي الإسلامي والمسيحي موحّداً, وعلى نتائج ما يحدث في كل مقطع بشري و جغرافي في هذه المنطقة كان الناتج في النهاية هو وحدة بلاد الشام  و وحدة الأداء النضالي للغرباء والمدمرين في سياق متصل .

  2. لقد ترتب على هذا المنطق حالة من التنبّه لمصادر الحضارة في هذه المنطقة الواسعة ولا سيّما في إطار التكامل العربي بالوحدة الإسلامية المسيحية وضمنها بالوحدة القائمة على التنوع في المذاهب والطوائف والقوى السياسية و الاجتماعية  الأمر الذي هيأ لنا حتى هذه اللحظة مقدمات كبرى تصلح للاستعادة وللاعتبار وتوحي لنا بالكثير ممّا يجب أن نكون عليه فيما يجب أن الانطلاق منه بالتصور العام و بالحفاظ على كنز الوحدة الثمين . لعلنا قد أشرنا إلى مصطلح المواكبة وهـو البعد المتحقق في هذا الزمن القاسي والعاصف وإذا حلب تصبّ في القدس وإذا القدس تنتشر في حلب وكلاهما يصنعان إطار وصيغة المخرج المشرّف و الذي يشكل خطاً راسخاً لا تراجع عنه ولا انكفاء فيه بعد الآن .

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz