الولايات المتحـدة توقـع نفسـها في شـرّ أعمالها

وصلت سياسة إدارة الرئيس ترامب حيال سورية أخيراً إلى الانكشاف التام وبدأ ضوء النهار يميط اللثام عمّا كان مستتراً في عتمة الليل. من الواضح أن هذه الادارة قد قررت فصل شمال شرق سورية عن باقي الأراضي السورية متذرعة بفكرة تثير السخرية ألا وهي أنها تريد إبعاد النفوذ الإيراني عن سورية وتريد أن يكون لواشنطن كلمتها في التسوية النهائية للأزمة السورية. لكن هذه الخطوة تفتقد إلى بعد نظر استراتيجي. يريد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة أن يقوم بتدريب قوة عسكرية يصل قوامها إلى حوالي 30 ألف مهمتها المزعومة هي ضمان الأمن على الحدود حال الانتهاء من عمليات القضاء على داعش وحالما ينتقل محور الاهتمام إلى موضع آخر. تتألف هذه القوة بمعظمها من مقاتلين سابقين كانوا يعملون تحت امرة ما يسمّى بقوات سورية الديموقراطية المعروفة اختصاراً باسم “قسد”. هذا ما صرح به ضابط العلاقات العامة لقوات التحالف الكولونيل توماس فيل (Thomas Veele) لموقع ديفينس بوست”Defense Post” . وأشار فيل في تصريحه إلى أن التحالف يعمل حالياً مع قسد لتشكيل وتدريب قوة “أمنية جديدة ليتم نشرها على الحدود. مبيناً أن العناصر الذين يتم تدريبهم حالياً لا يتجاوزون أكثر من (230) عنصراً يتلقون تدريبات تمهيدية على يد مدربين من قسد وأنهم يأملون أن تتوسع هذه القوة لتضم حوالي 30 ألف عنصر. أقرّ فيل أن مزيداً من الأكراد سيخدمون في المناطق الشمالية من سورية بينما تكون معظم الميليشيات المنتشرة على ضفاف نهر الفرات وعلى طول الحدود مع العراق ستكون من العرب. تخضع قسد وأكرادها لسيطرة حزب العمال الكردستاني (PKK/YPK) الذي تم تصنيفه كمنظمة إرهابية تقاتل وتقتل القوات التركية داخل تركيا يومياً. أما العرب الذين ستُناط بهم مهمة إغلاق المنطقة عن باقي المناطق السورية فمعظمهم من القبائل التي كانت متحالفة في السابق مع داعش. الولايات المتحدة لم تتشاور مع أنقرة حول خطوتها هذه والأتراك بالطبع لا تسعدهم رؤية “عصابات  إرهابية” تتلقى التدريب والتسليح على أيدي  الأمريكان وتكون مرابطة على مساحة واسعة من حدودهم الجنوبية. وأياً كانت الحكومة الموجودة في أنقرة لا يسعها إلا أن تتخذ إجراءات صارمة لمنع مثل هذا التهديد الاستراتيجي.

“مثل هذه المبادرات تهدد أمننا القومي بقدر ما تهدد وحدة الأراضي السورية ومن غير المقبول استمرار التعاون مع وحدات الحماية الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بما يتناقض مع تصريحات الولايات المتحدة وتعهداتها السابقة لنا. نحن ندين الإصرار على النهج الخاطئ ونذكر الولايات المتحدة الأمريكية مرة أخرى بأن تركيا مصمّمة وقادرة على القضاء على هذه التهديدات.” هكذا كان ردّ فعل أنقرة.

أما روسيا فقد نوّهت إلى أن مثل هذا الاحتلال الأمريكي لا يستند إلى أي أساس قانوني ولا يساعد في تحقيق الاستقرار ولا في إيجاد تسوية سلمية. فقد أكد وزير الخارجية الروسي إلى أن مثل هذه القرارات قد اتخذت دون أي مسوّغات أو أسس قانونية ودون أي قرار من مجلس الأمن الدولي ولم يتم الاتفاق على مثل هذه الخطوات أبداً. سورية أدانت التحرك واعتبرت وزارة الخارجية في بيانها كل مواطن سوري يشارك في هذه القوة بمثابة خائن وسيتم التعامل معه على هذا الأساس. مشيرة إلى أن تشكيل مثل هذه الميليشيات سيعيق إمكانية التوصّل إلى حل سياسي في البلاد.

حتى داخل الكونغرس, كانت هناك معارضة قوية لمثل هذه الخطوة وعبّر عدد من أعضاء مجلس الشيوخ عن خشيتهم من أن يكون هذا مقدمة لتورط أمريكي طويل الأمد في سورية دون غطاء قانوني أو مسوّغ شرعي يتيح لواشنطن إبقاء قواتها هناك بعد هزيمة داعش. في الواقع تتعارض هذه الخطوة مع تصريحات سابقة  للرئيس ترامب نفسه. فمنذ حوالي شهرين فقط أكد الرئيسان ترامب وبوتين خلال مكالمة هاتفية بينهما على التزامهما بسيادة سورية ووحدتها واستقلالها وسلامة أراضيها وعلى أن تبقى سورية دولة غير طائفية كما هو منصوص عليه في قرار مجلس الأمن رقم 2254.

تأتي هذه الخطوة في الوقت المناسب لسورية. فقد تمّ التوصل في آستانا إلى اتفاقية روسية وتركية وإيرانية وسورية لإقامة منطقة خفض تصعيد في إدلب مع التزام جميع الأطراف بالاستمرار بمكافحة القاعدة/ الإرهاب. كانت الاتفاقية على وشك الإنهيار عندما احتجت تركيا على العملية السورية الحالية ضد القاعدة في شرق إدلب. فتركيا تعمل مع القاعدة لإبقاء خياراتها مفتوحة على أمل أن تتمكن من الاستيلاء على بعض الأراضي السورية. كما أنها قلقة حيال الجيب الكردي الذي تحميه روسيا في عفرين. إضافة إلى التواجد الكردي في باقي مناطق الشمال وتحت الخاصرة التركية تماماً.

داخلياً, تتشكل المنطقة من الأكراد كعصب أساس, لكن حوالي نصف السكان في هذه المناطق هم من العرب.  الكرد ليسوا موحدين وكثيرون منهم يعارضون حزب العمال الكردستاني ويدعمون الحكومة السورية في دمشق. ما يجمع العرب والأكراد جميعاً هو كراهيتهم للزعماء الأكراد الجدد. يوفر هذا تربة خصبة لتمرد مسلح ضد الاحتلال الأمريكي والقوات الكردية التي تعمل تحت أمرة المحتلين. ولا يتطلب الأمر سوى بعض التحريض والدعم  سواء من دمشق أو أنقرة أو أية جهة أخرى حتى يتم جرّ الوجود الأمريكي إلى مستنقع صراع فوضوي للبقاء.

أردوغان تركيا الذي يراوده حلم السلطان العثماني لطالما حاول اللعب على التناقضات الروسية – الأمريكية. ولطالما حاول وضع القوتين في مواجهة بعضهما بعضاً خدمة لمآربه. يحاول “السلطان الحالم” الآن شراء أنظمة دفاع جوي روسية ليتمكن من صد أي هجوم أمريكي جوي محتمل. لكنه, في نفس الوقت يسمح للسفن الأمريكية بعبور مضيق البوسفور إلى البحر الأسود لتهديد روسيا في شبه جزيرة القرم, بالرغم من أن معاهدة (مونترو) تسمح له بتقييد حرية حركتها في هذا الممر المائي. الولايات المتحدة لا تترك له أي خيار. روسيا هي القوة الوحيدة التي يمكنها أن تساعده في التعامل مع هذا الخطر الجديد.

لا بد أن يكون هذا مصدر قلق وتوتر للاعبين الكبار في بروكسل. فتركيا تملك ثاني أكبر جيش داخل حلف الناتو. وتسيطر على المنفذ المائي للبحر الأسود وتستضيف على أراضيها قاعدة انجرليك في جنوب غرب البلاد. كل هذا يعطي تركيا أوراق ضغط يمكن أن تستعملها فيما لو قدّمت لها روسيا بديلاً ملائماً يعوّضها عن عضوية الناتو.

يستغرب المرء من أين أتت هذه الفكرة.. ومن هو صاحبها في البيت الأبيض ومن قام بتطويرها وترويجها. فهي تتعارض مع كل ما قاله ترامب حول انخراط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وتتعارض مع مصالح الناتو ولا يوجد أي أساس قانوني لمثل هذا التحرك. كما أن فرصتها بالبقاء ضئيلة للغاية. أغلب الظن أن مستشار الأمن القومي ماك ماستر (مدفوعاً من قبل معلمه الجنرال بترايوس) هو العقل المدبّر وراء هذا كله. فقد أثبت للتو أنه يفتقد لأي بعد نظر استراتيجي ولا يجيد سوى تحريك الألوية العسكرية هنا وهناك. ما الذي سيفعله لاحقاً؟ هل سيطلب من وكالة الاستخبارات المركزية (السي أي إيه) إعادة تسليح القاعدة (أي ما يسمّى بالمتمردين السوريين) الذين أرسلوا مندوبيهم للتو إلى واشنطن لاستجداء تجديد الدعم؟ وكيف ستسمح تركيا التي تسيطر على الحدود حالياً لأسلحة السي آي إيه الجديدة بالعبور مجدداً؟

يصعب فهم ذلك.. فكيف تتوقع الولايات المتحدة أنه سيكون بمقدورها المحافظة على مواقعها في شمال شرق سورية. ومن غير المفهوم أيضاً كيف تعتقد واشنطن أن مثل هذه المواقع سوف تعطيها أي نفوذ يمكنها من خلاله التأثير على التزام إيران تجاه سورية. فهذه الحركة تحرمها من أية مرونة سياسية. إنها عبارة عن فخ نصبته لنفسها بنفسها.

أخيراً, سوف يتوجّب على القوات الأمريكية العسكرية أن تتراجع وتخلي المنطقة. والأكراد سيزحفون على وجوههم إلى دمشق وهم يستجدون العفو والمغفرة. قصر نظر الطرفين وأعني هنا الإدارة الأمريكية وقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي تدهشني. كيف يفكر هؤلاء عندما يتخذون قرارات كهذه؟

المصدر:  المقال منشور على موقع مون أوف ألاباما (Moon of Alabama) بتاريخ كانون الثاني 2018 وتمّت ترجمته حصـرياً لموقع الحقائق السورية.

 

 

 

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz