السياسات الأمريكية: من الحزام الأخضر إلى الإسلام المعتدل

بقلـم ” شعبان إيبا  “

يعتمد مشروع الحزام الأخضر الذي تم وضعه عام 1977 من قبل “زبيغنيف برزنسكي” مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر, على فكرة مفادها “يمكن للإسلام أن يكون درعاً ضد الشيوعية”.

فقد استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية الإسلام, كإيديولوجيا فوق طبقية وفوق قومية, ضد النضال الوطني والطبقي.

ومشروع الحزام الأخضر هو خطة أمريكية في مرحلة الحرب الباردة تقضي بتطويق المعسكر الاشتراكي من الجنوب.

وبذلك يتم تطويق المعسكر الاشتراكي بحزام إنتاج رأسمالي من الغرب وبحزام ديني أي إسلامي من الجنوب. وقد وضعت أولى خطوات هذا المشروع مع احتلال أفغانستان وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية بالعمل على الدخول إلى جمهوريات آسيا الوسطى عن طريق الإسلام ومن خلال إنتاج “الترياق الأخضر ضد الخطر الأحمر”. فقد تمكن ازدياد التعصب الإسلامي من تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط. وبدأ النضال المناهض للإمبريالية في منطقة الشرق الأوسط, الذي فقد مزاياه الوطنية والطبقية, فقد راح يتغذّى من التناقضات الدينية والعرقية والثقافية.

أضف إلى ذلك أن حركة اليقظة الإسلامية التي خلقتها أمريكا ضمن إطار مشروع الحزام الأخضر ضد الاتحاد السوفييتي في بداية ثمانينات القرن الماضي لم تساهم بشكل أساسي في انهيار الاتحاد السوفييتي بل على العكس من ذلك وضعت أسس الإسلام الراديكالي الذي سبب قلقاً كبيراً لأمريكا في المنطقة.

وأما مشروع الشرق الأوسط الجديد وهو الاسم المختصر لمشروع الشرق الأوسط الجديد وشمال إفريقيا فقد كان عبارة عن إستراتيجية تغيير الجغرافيا الإسلامية الشاملة الذي يتضمّن أبعاداً سياسية وحقوقية وتعليمية واقتصادية واجتماعية وأمنية في الدول الممتدة من المغرب غرباً إلى منغوليا شرقاً والشيشان شمالاً واليمن جنوباً. كما خُطط لأن يكون مشروع الشرق الأوسط الجديد, الذي يهدف إلى إجراء تغييرات طويلة الأجل في هذا المجال, العنصر الأساسي لمشروع القرن الأمريكي الذي أعد عام 1997.

مشروع الشرق الأوسط الجديد يعني تأسيس نظام واستقرار يخدم المصالح العالمية لأمريكا, وبلغة أخرى يعني تعزيز هيمنتها على العالم. وقد اعتمدت هذه الإستراتيجية على الاستيلاء على الموارد الإستراتيجية كالنفط والغاز الطبيعي والماء والمعادن والسيطرة على طرق نقل هذه الموارد. عندما بدأ الرئيس الأمريكي جورج بوش بتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد قالت وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس بأن هذا المشروع يقتضي تغيير حدود اثنين وعشرين دولة في المنطقة وإن احتلال أفغانستان والعراق هو الخطوة الأولى في هذا المشروع.

كما أكد الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية “جيمس وولسي” على أن ما يجري ليس حرباً ضد الإرهاب وحسب بل هو حرب إحضار الديمقراطية للعالم العربي والإسلامي.

كما تحدث العقيد المتقاعد “رالف بيتيرس” أحد أهم شخصيات المحافظين الجدد في مقالة نشرتها صحيفة القوات المسلحة الأمريكية بعنوان “الحدود الدموية” قائلاً: “يجب إعادة ترسيم الحدود في الشرق الأوسط, فلقد أدت هذه الحدود المصطنعة, التي تعتبر إرثاً من تشرشل, إلى حالة عدم الاستقرار في المنطقة, ولذلك يجب إعادة ترسيم هذه الحدود على المحورين الديني والعرقي “.

تم تقديم تركيا كنموذج للشرق الأوسط في الثمانينات ولدول آسيا الوسطى والقوقاز في تسعينات القرن الماضي, وفي هذه المرّة تم تقديمها كعنصر من عناصر مشروع الشرق الأوسط الكبير على اعتبارها نموذجاً للإسلام المعتدل. وأما الدور الذي أُعطي لتركيا ضمن هذا المشروع فهو دور مركزي سواءً من حيث موقعها الاستراتيجي في المنطقة أو من زاوية علاقاتها متعددة الجوانب مع الغرب, أمريكا والناتو والاتحاد الأوروبي. ولكي تنفذ تركيا هذا الدور بالمستوى اللائق كان لا بد من حزب سياسي جديد وسلطة جديدة. وبعبارة أخرى كان هذا الدور يقتضي تشكيل دولة نموذج وهذا بدوره يقتضي بعض التغيرات البنيوية في الدولة وهذا أيضاً كان يقتضي خلق حزب العدالة والتنمية وجلبه إلى السلطة من أجل تطبيق “الإسلام المعتدل” الذي سيخلق انسجاماً بين التناقضات الإثنية والدينية والثقافية.

لهذه الأسباب مجتمعة شكّلت انتخابات الثالث من تشرين الأول عام 2002 نقطة انعطاف في السياسة التركية, حيث غيّرت نتائج هذه الانتخابات الكثير من الأشياء في تركيا: منذ انتخابات عام 1991 لأول مرة يستلم السلطة حزب بمفرده ولأول مرّة يستلم السلطة بمفرده حزبٌ يشارك في الانتخابات بعد تأسيسه بفترة وجيزة, ولأول مرة تنخفض أصوات حزب كان في السلطة (حزب اليسار الديمقراطي) من 21 بالمائة إلى 1.5 بالمائة, ولأول مرّة تصبح كافة أحزاب الائتلاف الحكومي خارج البرلمان, وبسبب قانون العتبة ذهبت 46 بالمائة من الأصوات الانتخابية إلى سلة المهملات.
لقد دافع كل من حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري عن تطبيق سياسات تتناسب مع “التركيبة الاجتماعية – الليبرالية” التي وضع صيغتها (كمال درويش) الذي جاء إلى تركيا بصفته معتمداً للولايات المتحدة الأمريكية وصندوق النقد الدولي. كما اتخذ كلا الحزبين موقفاً مشتركاً فيما يخص سياسات استقرار صندوق النقد الدولي وعضوية الاتحاد الأوروبي وسياسات أمريكا حيال الشرق الأوسط وأوراسيا ونظام أرجوحة الثنائية الحزبية المفضّلة لدى الولايات المتحدة والنظام الرأسمالي الاحتكاري وتقديم الأمن والاستقرار السياسي لأمريكا وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي والسيادة التركية والكتل الشعبية. بعد اللقاء الذي جمع بين رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان والرئيس الأمريكي جورج بوش في البيت الأبيض بتاريخ الثامن والعشرين من شباط عام 2004 قال أردوغان: “إن تركيا تدعم هذا المشروع الذي ينصّ على توسيع الحدود ونشر القيم الديمقراطية, حيث ستلعب تركيا دوراً أساسياً في هذا المشروع”.

كما قال الرئيس التركي “عبد الله غول” عندما كان وزيراً للخارجية فيما يخص مشروع الشرق الأوسط الكبير: “تتحرك تركيا مع الولايات المتحدة بشكل ينسجم مع مبادئ السياسة الخارجية, وهدفنا هو إحضار الديمقراطية والحرية للدول الإسلامية”. وفي السنوات اللاحقة تم بلورة كلّ شيء في السياسة التركية بناءً على هذا الدور وبما يتناسب مع السياسات الأمريكية.. وبما أن تركيا تنفذ سياسات التحوّل إلى قوة إقليمية من خلال الاعتماد على الركائز الإثنية والثقافية والدينية والتاريخية العثمانية, فقد بدأت باستغلال هذه الفرصة في سبيل تحقيق أحلامها الامبريالية…

صحيفة “أوزغور غوندام”     

                                                      

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz