وعي الأحداث الكبرى في السياق التاريخي

 بقلــم د. أحمد الحاج علي

  • تظهر المواقف و الإرادات على حقيقتها في الزمن الصعب.

  • القواعد الناظمة لأي حدث هي الفكر والنظام والهدف المعلن.

  • المجموعات الإرهابية لا يمكن أن تنتج إلا ذاتها.

تتحكم في طبيعة و مسار أي مفصل تاريخي في حياة البشر عوامل أربعة هي : بيئة هذا الحدث , أي مجموع الظروف الموضوعية والذاتية التي يستوطن فيها الحدث ويستقي منها خطوطه العامة و أولوياته والثابت والمتحول فيه , ثم يأتي العامل الثاني وهو الفكر الحاضن للحدث والمحيط له والمؤسس لقواعده وتطوراته القائمة والقادمة , وبعد ذلك يأتي العامل الثالث وهو الذي يتأكد من خلال بنية الحدث أي القواعد الأساسية الناظمة له والقادرة على إطلاق هوية واضحة  وقاطعة في مجمل مكوناته وتوزعاته ومعاركه بين الخصوم , ومن ثم نصل إلى العامل الرابع وهو قابلية هذا الحدث للتطور والنمو باتجاه إيجابي وبحيث يجتذب مع كل خطوة قوىً جديدة تكدّ أهمية المشترك ما بين الكمّ الأكبر ممّن يستغرقهم الحدث, وبهذه العوامل الأربعة نجد أن المعارك الكبرى كما هو الحال في الصراع الدائر الآن وفي هذا الإرهاب العدواني على سوريا وفي سوريا إنما تنبثق من هذه المعالم, وقوة التفاعل مع ما يجري فينا وعلينا تتوطد وتتعمّق أكثر فأكثر حينما نتحرك عضوياً من النظرات الجافة و المفرغة والمظهرية إلى منطقة أخرى هي معرفة الجوهر في كل هذه العوامل. إن الرؤى الذاتية و التمترس خلف الأفكار الجامدة و الادّعاء الميكانيكي بسلامة هذا الموقف الفئوي أو ذاك بنسبة مطلقة, هذا التوجّه سيكون العدو الأساسي للتفاعل مع الأحداث الكبرى واستخراج نقاط الحل رغم أن الظاهر يوحي بأن كل شيء ذاهب نحو الاضطراب أكثر والفوضى أكثر وسفك الدم أكثر .

إننا نلاحظ هنا أن القيم السلمية والديمقراطية والحيوية تتطلب هذه الحالة من الانسجام مع القوى التي تحملها إلى الحوار والتي تطرح بعناوين تبدو موحدة ولكنها منخورة بالتناقضات والأهواء والتأويلات المواربة. يبدو أن هذا هو الجوهر في التعامل مع حالة العدوان على سوريا وفي البحث المفترض أو الإلزامي عن القواسم المشتركة في القيم إن كانت موجودة وفي القوى المنضوية في هذه القيم إن كانت موجودة, وهذا يعني أن قوى الإرهاب يستحيل عليها أن تستوعب مسارات البناء والحوار والمصير المشترك لأن هذه القوى تنتمي إلى الخارج قبل أي اعتبار والخارج هو الأجنبي والمعادي والحاقد والموظف أصلاً لأداء دور يعادي قيم الحوار والبحث عن مسارات السلام ولو في الحد الأدنى, و إذا ما سحبنا هذا المفهوم على كل موارد وصيغ الأنشطة التي ترتبط بالعنوان المطروح للحلّ السياسي الوطني والذي سيؤدي إذا ما كان جدياً إلى إنتاج نظام سياسي راسخ القواعد من جهة وواسع الآفاق من جهة أخرى وحيوي التطبيق من جهة ثالثة , إن هذا التوجّه هو الذي يعطي الجدوى والمشروعية لأي نشاط من شأنه أن ينتسب للحل السياسي الحواري السوري , و المحور هنا هو التطابق في الحد الأدنى ما بين الضرورات و الإرادات .

تستقر في جدل الطبيعة كما في جدل الإنسان والتاريخ قواعد راسخة هي مطلقة في الطبيعة وهي نسبية في عالم الإنسان وفي الطليعة من ذلك قاعدة الترابط والتكامل ما بين المقدمات و النتائج حيث تنتمي النتائج إلى مقدماتها و حيث لا يصدر شيء من الفراغ ويؤول إلى الفراغ وحيث تفرض حضورها نظرية التراكم العضوي من خلال فعل الإنسان ووعيه ومنهجه في استثمار عناصر الواقع, ونعلم تماماً أن الابتعاد عن هذه الصيغ الثابتة يُفضي بنا إلى الفوضى وخسارة نسبة كبيرة من الناتج العام للمجموع البشري في الوطن, كما أن الاستغراق الميكانيكي يؤدي إلى سحب اللمعة ونسبة من طاقة الإنسان في أن لا ينحني للريح العاتية ولا يرضخ للظاهر من معادلات القوى والقوة الجائرة لأن الإنسان هو البداية والنهاية ولأن إرادة الإنسان هي عامل النصر الحاسم على كتلة الظلم والظلام , وهذه حالة نعيشها في وطننا السوري ذلك أن الحسابات المادية وبمنطق السلاح والمال ووحدة المعتدين إنما زيّنت للكثيرين أن وطننا السوري ذاهب إلى المأساة حتى إذا جاء الأداء الوطني السوري فإذا هو يثبت أن اجتماع الإرادة الحيّة و مشروعية الهدف ومنهجية العمل في المقاومة و المواجهة , إنما هي العوامل الحساسة والحاسمة في إطلاق القوة الكمية والنوعية للوطن وهي المؤهلة والكفيلة بردم هوة التوازن بين معادلات الصراع و بهذا المنطلق تحوّلت دولة صغرى مثل سورية العربية إلى قوة كبرى في المهام السياسية والقتالية ضد الإرهاب ومشغلي الإرهاب, بينما تناثرت معدلات قوى العدوان على ضخامتها ونوعيتها المدروسة وقوة الضمانة لها من الخارج الإمبريالي والصهيوني والرجعي ومن الداخل السوري ذاته حيث تنازلت شرائح ليست قليلة بالعدد والدور عن الوطن والمصير وباعت نفسها للشيطان وتحولت إلى قوة استمدت تكوينها وهويتها من الخارج القاتل عبر استثارة الغرائز وضغط إغراءات المال الحرام ومنهج التزوير والمتاجرة بالإسلام الحنيف والسامي في مناخ دولي قاتم وسقوط سياسي عربي لم يشهد له التاريخ المعاصر مثيلاً , وحينما نصل إلى مشهدية الانتصارات الراهنة وكيفية تواترها وانبعاث القوة الوطنية السوريّة إلى هذا الحد من التضحيات واعتناق الشهادة ونشـر نموذج الشهداء وما يُضاف إلى ذلك من حرمان المواطن وصبر الشعب على المكاره الخارجية والداخلية عندها نصل إلى الحد المعرفي والعلمي الذي يؤكد أن هذا الأداء الوطني السوري متجذّر في أصوله التاريخية و الأخلاقية والمناقبية و بأن هذا الوطن يتقن فن الصحوة الكبرى بعد الكبوات الكثيرة و المواربة و بأنه بعد ذلك يمتلك خاصية أن يأخذ القرار الذاتي والموضوعي الفردي والجماعي جدواه ولو بالنسبة الممكنة ولكنها المشتركة ما بين الأطراف والناظمة لسلوك هذه الأطراف.

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz