صراع الجيوبوليتيك يزداد انفجاراً في المشرق والعرب ثانويّون ومصفّقون

بقلم د.وفيـق إبراهيـم

 تكشف حركة القتال المتوسّعة في الميادين العربيّة عن مشهدين متناقضين يتقابلان في وقت واحد على جغرافيا موحّدة بغرابة تثير الجنون. فالمشهد الأوّل هو مسارعة الدول الكبرى إلى الانتشار في مساحات كبيرة تبتدئ من أعالي اليمن  ولا تقف إلّا عند حدود بحر لبنان، وذلك لتعزيز هيمنتها في مراحل الحلّ السياسي.

وتتحيّن إسرائيل الفرص لانتزاع دورٍ «استعرابي» يُنهي لها قضية فلسطين، مقابل دفاع شرس ومتين من جانب الدولة السورية وحلفائها، الذين يشكّل انتصارهم المتدحرج إجهاضاً للجيوبوليتيك الغربي.

أمّا مشهد التناقض الثاني، فتظهر به الأنظمة العربية مجرّد أدوات تهريجية خارج زمنها، يؤدّي قسم منها دور المتواطئ مع الغزاة الأجانب، ويتفرّج البعض الآخر على أحداث منطقته وكأنّه من كوكب آخر.

فقبل قرنٍ من الزمن خسرنا فلسطين والاسكندرون، وبقيت لنا «أشكال» دول عربية هي أشبه بمشيخات وتركات كان يمكن لها أن تتطوّر لولا مؤسّسيها الغربيين الذين حافظوا عليها بالقوّة كمجرّد أدوات سياسية من القرون الوسطى.

أمّا اليوم، فالدول العربية مهدّدة بالتحوّل إلى مئات «الكانتونات» التي يرتبط ولاؤها وتقسيمها بلعبة الصراع بين الجيوبوليتيك الدولي والإقليمي المسعور، ما قد يؤدّي إلى إنتاج «موزاييك» يقاتل بعضه بعضاً حتى نهاية التاريخ، أو إلى مرحلة وصول النفط والموارد الأخرى إلى مرحلة الاستنفاد، فلا يتبقّى إلّا «الإسلام» الذي يُراد تحويله من دين إلى أداة سياسيّة للسيطرة على مليار وأربعمائة مليون مسلم، وذلك لسببين الأول مجابهة الجيوبوليتيك الصيني والروسي بذرائع دينية  وإيران بحجج مذهبية خالصة، والسبب الثاني هو الإمساك بالمسلمين كمستهلكين أبديّين للصناعات الغربية، ما يتطلّب الإبقاء على الدول الإسلامية على درجة عالية من التخلّف والتبعية.

وبالتدرّج، فإنّ الجيوبوليتيك الأمريكي هو أول من اقتحم المشهد العربي بعد 1990. حاول السيطرة بالحروب العسكرية المباشرة في أفغانستان والعراق وسورية واليمن وباكستان ( 2001-2010 ) ، وبأشكال غير ظاهرة في المنطقة العربية والعالم الإسلامي.

ولمّا استثار الغزو الأمريكي مقاومات عربية وإسلامية، استدارت واشنطن واتّجهت لتنفيذ هيمنتها الكاملة على المنطقة بالتلاعب بمكوّناتها الداخلية، الطائفية والمذهبية والقبليّة والإثنية والقومية، وفجّرت ما سُمّي زوراً «الربيع العربي».

والهدف باتَ معروفاً ويتعلّق بتقسيم الدول لبناء «حائط صدّ» أمام الصعود الإيراني والجيوبوليتيكَ الروسي والصيني، وإنهاء القضية الفلسطينية، ومنع أي مكان للتطوّر العربي في منطقة الشرق الأوسط الاستراتيجية.

فالدولة السوريّة مضطرة إلى القتال ضدّ جيوبوليتيك الكانتونات الأمريكية، ولا ننسى روسيا التي تجد نفسها مضطرة إلى العودة إلى ساحات القتال للدفاع عن دمشق، وبالتالي عن موسكو، وذلك لإحراز انتصارات جديدة تجعل متورّمي الرؤوس يعودون إلى رشدهم.

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz