دورة الحياة السورية في مرحلتي الردع و الرد

بقلـم .د (أحمد الحاج علي)

هما قاعدتان موضوعيتان وتاريخيتان, تتكاملان بالتقاطع والتوافق . الأولى منهما تؤكد بأن لا شيء يصدر من الفراغ ويؤول إلى الفراغ والثانية تقول إن النتائج في عالم الطبيعة والبشر تنتمي إلى المقدمات التي تؤسس لها وتحيط بتفاعلاتها  ونحن نعلم أن مثل هذه القوانين تلبّي الحد الميكانيكي في الطبيعة ولكنها في عالم البشر وفي المنعطفات والمراحل الخطرة والمصيرية تتحول هذه القواعد إلى منطقة وعي وأمان نظراً لما تنتجه من وضوح في الهوية وعزم على المواصلة تحت درجات الخطر والموت والتدمير.

وتظهر شخصية الوطن السوري أكثر ما يكون في حمى هاتين القاعدتين ويعلم الجميع أن سوريا وطن أنجز مقومات الانبعاث في حد ذاته واستدرك بجديّة و نديّة كل العوامل الحيوية والحياتية اللازمة لكي تتضح فيها أصول هذا الوطن ومكوّناته التاريخية ولا سيّما عبر شرطين متلازمين يؤدي الأول منهما إلى اليقين العميق والمنتشر بأن الصراعات الكبرى والأزمات الخطرة لن تجد في سوريا إلا نسق استيعاب بهذه المخاطر وتفكيك أصولها  وقواها وأهدافها الكبرى والصغرى ومن ثم بناء الذات الوطنية على الأساس الراسخ والحيوي الذي يؤكد في المآل أن سورية الوطن والحضارة والتاريخ هي مختبر البشرية العلمي والإنساني في منحى مستوى وكيفية السيطرة على الخطر واستخراج كل ما يلزم في عوامل القوة والقوى لكي تنحصر هذه المخاطر ومن ثم لكي تنحسر وتموت في مهدها أو على حواشي الوطن أوهناك في مناجمها السوداء في الغرب بشقيه الأوروبي والأمريكي وفي جغرافيات التأثير الصهيوني والرجعي المنتشرة كبقع من السموم على امتداد العالم المضطرب و المتخبط.

و في القاعدة الثانية تتأكد خصائص المناقب المستقرة والموروث التاريخي وإرث الحضارة في اللحظات الصحيحة و نرى هنا أن منابع التشكل في المواجهة هي حالة دائمة وخصبة ومتنامية لا تسمح لأي مؤثرات أو مؤشرات عابرة ومغلقة أن تخترق هذا المدى الوطني وهذا ما تُعبّر سوريا العربية عنه بصورة دائمة عبر مفهوم المصير المشترك والدور التاريخي والأفق الخصب الذي مازال حتى الآن يتحكم بكيفية ردع العدوان عنا وعن غيرنا.

ولذلك حينما نأخذ بوحدة هاتين الخاصيتين السوريتين نكتشف أن الموقف السوري هو ليس مسألة اكتساب المناعة في الرد و الردع فحسب, ولكن هذا الموقف هو مصدر طبيعي ومآل يرسم في عمق الفرد والمجموع حيث تتحول المخاطر إلى حوافز ودوافع تستثير ما هو كامن في عمق الوطن وتمتلك في المواجهة خاصة (التنقية) حيث تتخلص عناصر الأداء الوطني من كل الشوائب العالقة ومن كل الحسابات الزائفة.

ونحن نعلم في هذا الوطن أن المواجهة والتضحيات المؤلمة والمشرّفة هي أقلّ كلفة بالمعيار المادي والمعنوي من التسليم لمشاريع الغزاة أو الاستسلام لإرادة الكيانات التي امتهنت الحقد و القتل, و إننا بهذا المعنى نُنجز في هذه المرحلة تجربة هي المثل والمثال وهي البدايات والمآل في هذا الوطن الجريح وهو الذي يمتلك من خلال ثوابته مقومات التنظيم و الانبعاث بصورة جليّة.

فإذاً بهذا الأداء مع المسارات التي انبعث منها وتكوّن فيها يتحوّل إلى طاقة منتشرة وعميقة هي التي أهّلت هذا الوطن السوري لمستوى الرد و الردع للعدوان أولاً ولمستوى إنجاز التحولات الكبرى المتكاملة في الميادين القتالية و السياسية  والاجتماعية والثقافية .

لم يأتِ هذا المدّ من فراغ وإن كانت هناك ظروف وأحوال وممارسات غطّت على هذه الطاقات وأسدلت الستار على الذاكرة التاريخية لهذا الشعب عبر دور الآباء والأجداد الذي كان لا بد له أن يتسرّب بكليته و بسموّه و بمناقبيته إلى الحالة الراهنة للوطن السوري .

ولكن علينا أن نعلم بأن ترهّل الإرادة المسؤولة لا يمكن أن تصل إلى حد تدمير أو تغيير القوانين المطلقة في الطبيعة والقوانين الحيوية في عالم البشر, وهنا تجلّت خصائص الوطن السوري وقوة انتمائه للجذور المؤسسة وللقيم الناظمة والحاكمة, فعلى سبيل المثال تحوّلت الشهادة إلى الخيار العادي والمنتشر في شعبنا وهذا ما لم يكن في الحسبان سواءً في منطق الأعداء أو في حسابات الداخل السوري نفسه, حتى جاءت اللحظة التي تمرّد فيها الوطن على ذاته وعلى نقاط الضعف والثغرات وعلى موازين ومعادلات القوة الغاضبة والمدمّرة , عندها صارت الحالة مختلفة تماماً وأنجز وطننا بدماء الشهداء وصبر الفقراء ووعي الحكماء كما مثل هذا الوعي الرئيس القائد بشار الأسد بما اكتمل فيه وعنده هذا النموذج الأوفى والأوضح في تأدية الحالة السورية التاريخية واستخراج منابعها و بثها وإطلاقها في اللحظة الملتهبة التي مازالت تشعل الحرائق وتمارس الغدر وتتقن فن الانقلاب على التوافق والموافقة وتقطع أسباب الذهاب باتجاه الحوار.

هذه المكونات لم تكن غائبة ولكنها كانت مهملة أو مغيّبة أو مغمورة تحت طبقة من غبار الذاتيات المحاصرة و المعايير الرخوة والوقوع في خلل كبير حينما اعتقد الكثيرون أن المقطع الذي وصلت إليه سوريا لن يسمح للقوى المعادية أن تتسلل أو أن تحدث أثراً في الداخل السوري في حين كان المنطق والتجربة التاريخية تلحًان معاً على ضرورة التنبّه للخطر المختبئ وراء الباب و المتلطّي زوراً بالذرائع والأسباب وكان يجب أن يفرض قانون الجدل البشري منطلقاته ومفرداته وآثاره فالوطن السوري بهذا المستوى من الصمود وتبني الحقائق وإنجاز البناء في التنمية و في القرار السياسي وفي العلاقات مع دول العالم كان ذلك بالمواقف الكبرى ولا سيّما منذ حرب تشرين إلى غزو العراق 2003 , هذه السنوات الطوال كان يجب أن تطلعنا وتطلقنا لتكون يدنا على الزناد وعقولنا مفتوحة على الخير والسلام .

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz